نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11
الجزء ١٤ · صفحة ٤٠٠على ذكر مجلس الشراب، فإن الندامى يتسلّون بالأحاديث الطيبّة التي تزيد من أنسهم، وذلك ما بيّنه الله تعالى في هذا النصّ مفرّعا على ما سبق ومخبرا عنه بصيغة الماضي عن أحداث المستقبل على ما هو ثابت في علم الله لتأكيد وقوعه، فيقبل الجلساء على بعضهم بعض في مساءلة لاستحضار الذكريات الدنيوية، وأرسخها في ذاكرة أحدهم هي ما جرى بينه وبين قرين له من أصحاب الغواية والضلال حين كان يجادله في قضية البعث وينكر أن تكون للخلائق حياة أخرى بعد أن تكون عظاما ورفاتا، فهو إذ ينكر الحساب والجزاء بقوله: (اِنَّا لَمَدِينُونَ) ينكر بالتّبع أن يكون هناك بعث بأسلوب السخرية والاستهزاء، وقرينه المنعّم في الجنة يعلم أنّ صاحبه مات على كفره وأنّه من أصحاب النّار، ولكنّه يريد من جلسائه أن يتحقّقوا من ذلك برؤية العين، فليس من رأى كمن سمع. ولذلك حرّضهم على الاطلاع بقوله: (قَالَ هَلَ اَنتُم مُّطَّلِعُونَ)، والاطّلاع هو الإشراف على الشيء من علوّ، ومفعول (مطّلعون) يدلّ عليه قوله: (فَرَءَاهُ فِي سَوَآءِ الْجَحِيمِ)، أي في وسط جهنم، وهو يفرزه من بين أهل النار ليوجّه إليه كلاما توبيخيا بما كان يحاوله معه من الإفتان والإغواء في الدنيا لإرجاعه عن الإسلام.
(تَاللهِ إِن كِدْتَ لَتُرْدِينِي، وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ): وتوجيه التقريع لصاحبه بصيغة القسم: (تَاللهِ) يدلّ على شدّة الإلحاح في ذلك الإغواء وطول المصاحبة بينهما حتى كاد يؤثر في صاحبه لولا أن الله منّ عليه بالثبات على الهداية والرشد، فاختلفت عاقبتهما، نعيما وخلودا لهذا وشقاء وجحيما لذلك، فيا للمفارقة ويا للنعمة التي متع بها الأبرار.