نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 02
الجزء ٢ · صفحة ١٧٠ولنأخذ الآن في البيان التفصيلي لأحداث القصة: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِنم بَنِي إِسْرَآئِيلَ مِنم بَعْدِ مُوسَى)، والملأ هم أشراف القوم وعليتهم يجمعهم أمر واحد فيتشاورون، ولهم في رهطهم حرمة ومكانة. وقد هالهم ما أصبح عليه بنو إسرائيل من الذّلة والهوان، وقوله تعالى: (مِنم بَعْدِ مُوسَى) أي بعد تمكّنهم من الاستقرار في أرض الميعاد بعد أن اختلفوا على رسولهم كما فصّل الله ذلك في سورة المائدة. وقد جعل الله فيهم أنبياء من بعد موسى ولم ينصّب عليهم ملكاً إلاّ في زمن داود عليه السلام.
جمع القوم أمرهم ليرفعوا الطّلب إلى نبيّ لهم وهو "شمويل" أو "صمويل" وجيء بلفظ: (نَبِيءٍ لَّهُم) لأنّه لم يكن معهوداً عند السّامعين من المسلمين. ومضمون الطّلب هو قولهم للنبيّ: (ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ)، والمراد أن يكون لهم ملك يتولىّ قيادتهم وتدبير شؤونهم، وكان عهد النبيّ أنهّم يجبنون ويتقاعسون عن القتال فعبّر عن توقّعه ذلك بـ"عسى" التي هي من أفعال المقاربة بصيغة الاستفهام التّقريري ليختبرهم وهو يرجّح أنّهم لا يفعلون.
وفي الجملة إيجاز بديع وأدب رفيع في استدراج المخاطبين وسبر همّتهم بنوع من التّحريض والتّحذير في الجواب بقولهم: (وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدُ اُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا). بادروا بالاستفهام الإنكاري: (وَمَا لَنَآ)، أي أيّ شيء يدعونا إلى أن نترك القتال وقد ألحّت علينا دواعيه بإخراجنا من ديارنا وإبعادنا عن أولادنا ظلما وعدوانا؟، وذكروا في إجابتهم طبيعة القتال بأنّه في سبيل الله ممّا يشي بتيقّظ الوعي الدّيني في أنفسهم بأنّهم على الحقّ وأعداؤهم في الضّلال.