نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11

الجزء ١٤ · صفحة ٤٤٠

بعد أن انحرف أهل نينوى عن عبادة الله وعبدوا الأوثان أمر الله يونس عليه السلام أن يذهب إليهم من بلاد الشام ليدعوهم إلى عبادة الله، وكان هو على شريعة موسى، طوى النّصّ ذكر الموطن الذي كان به القوم، وكيف كذّبوا يونس في دعواه، وكيف أنذرهم بالعذاب إن هم أصرّوا على التكذيب مما ذكره الله في اللّقطات الأخرى، واكتفى هنا بذكر هروبه عن قومه مغاضبا والتجائه إلى شاطئ البحر ليركب السفينة المملوءة بالراكبين، وهي على وشك الإقلاع، ولما توسّطت البحر هاج البحر وماج، وقيل سكنت ولم تتحرك، وكان ذلك علامة عند القوم بأن من بين الركاب صاحب ذنب يجب أن يتخلصوا منه، فاقترعوا بمعرفة من هو ليلقوه في البحر، فإذا القرعة تقع على يونس ثلاث مرات كما تقول الرواية، وتقول بأنهم توسّموا فيه الخير والصلاح فعز عليهم إلقاؤه في البحر فألقى بنفسه وابتلعه حوت عظيم، وهو آتٍ ما يلام عليه من عدم صبره وخروجه بغير إذن ربّه، أمر الله الحوت أن لا يضرّ به وأن لا يهشم عظامه، فما كان من يونس وهو في ظلمات مطبقة إلاّ أن أخذ يسبّح بحمد ربّه ويستغفره مما ارتكبه، وهو يقول: (لآَّ إِلَهَ إِلآَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) (الأنبياء:87).

ارتفع ذلك التسبيح المخلص إلى الملإ الأعلى، فاستجاب الله له وأنجاه من الغمّ إذ أمر الحوت أن يلفظه على شاطئ البحر في أرض عراء، وتقول الرواية أنه البحر الأبيض المتوسط الذي كان يسمّى في القديم "بحر الروم"، قال تعالى: (فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ، وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّنْ يَّقْطِينٍ، وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِاْئَةِ أَلْفٍ اَوْ يَزِيدُونَ، فَئَامَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمُ إِلَى حِينٍ).

٤٬٧٥٩ / ٦٬٢٠١