نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11

الجزء ١٤ · صفحة ٤٦٥

والعجب من أفعال القلوب ينشأ على علم بأمر غير مرتقب وقوعه، ويطلق على إنكار شيء يعتقد أنه لا يقع، ولابد للمنكر المتعنّت أن يلتمس مبرّرا لإنكاره وجحوده، فهؤلاء الكفار تحت إلحاح عزتهم وكبريائهم جعلوا البشرية هي محلّ الغرابة في شخصية الرسول، وذلك معنى قوله تعالى: (وَعَجِبُوا أَن جَآءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ)، أي بشر مثلهم. واختيار صفة الإنذار مناسب في هذا المقام، إذ فيها دليل على أن الرسول قد استنفد جهده في وسائل التبليغ لهم بمختلف الأدلة والبراهين المقنعة حتى بلغ به الأمر إلى إنذارهم بعذاب الله إن هم أصّروا على المكر والعناد، ويقتضي منهم هذا الموقف الرافض أن يلجأوا إلى التشهير والتسفيه الإعلامي أمام أتباعهم، ويبدو أن تلك التصريحات بدرت منهم بعد انصرافهم من مجلس أبي طالب -كما تقدم-.

(وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ): استعمال الظاهر: (الْكَافِرُونَ) في مقام الضمير للدلالة على وصفهم بعار الكفر تسفيها لأحلامهم وردّا لما وصفوا به رسول الله، وأن الكفر متمكن من نفوسهم.

والإشارة للرّسول بـ (هذا) هي للحطّ من قدره الشريف أمام أتباعهم سخرية واستهزاء كقولهم: (اَهَذَا الذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً) (الفرقان:41)، أمّا وصفه بالسحر والكذب فقد دأبوا على وصفه بذلك، سيما بعد أن أطلق الوليد بن المغيرة ذلك الوصف عليه بعد أن فكّر وقدّر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر وقال: إن هذا إلا سحر يؤثر، إن هذا إلا قول البشر.

وقد ابتدأوا الإنكار بأصل التوحيد: (اَجَعَلَ الاَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا اِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ)، الاستفهام إنكاري توبيخي، صاحوا بذلك عند أبي طالب والرسول يقول لعمّه أن يقولوا: لا إله إلا الله. ولشدة تعجبّهم من هذه الدعوة الجديدة لتوحيد الله تصايحوا: (اِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ).

٤٬٧٨٤ / ٦٬٢٠١