نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11
الجزء ١٤ · صفحة ٤٨١ب) - (إِنَّهُ أَوَّابٌ): هكذا بالتوكيد وصيغة المبالغة أي هو كثير الأوب، أي الرجوع إلى الله بالتوبة والطاعة والوقوف عند حدوده، فقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلمأنه قال: «أحبّ الصلاة إلى الله تعالى صلاة داوود، وأحبّ الصيام إلى الله عز وجل صيام داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يوما ويفطر يوما، ولا يفرّ إذا لاقى وإنه كان أوّابا»(1).
قلت: وقلما تجتمع في الإنسان القوتان، المادية والروحية، إلا لمن آتاه الله قوة الإيمان واليقين فيعيش متوازنا في حياته، كما وصف الله صحابة رسوله فقال: (وَالذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ) (الفتح:29).
ج) - (اِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالاِشْرَاقِ، وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ): كان داود عليه السلام حسن الصوت، وكان الزبور الذي يرتله يشتمل على كثير من الاستغفار والمواعظ، فتنجذب الطير لصوته الجميل وتؤوّب الجبال معه مردّدة لتسابيحه في وقت الإشراق وهو ظهور الشمس واضحة في وقت الضحى وفي العشيّ، أي ما بعد صلاة العصر إلى الغروب. وتقييد التسبيح بالظرفين يدلّ على أن داود عليه السلام لا تشغله شؤون الملك عن ذكر ربّه حتى في الأوقات التي اعتاد فيها الناس الانصراف إلى أشغالهم.
وقوله تعالى: (كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ)، أي كلّ من الجبال والطير المجتمعة حول داود ترجّع معه التسابيح لله، على أن الضمير "لَهُ" راجع إلى الله تعالى على الأرجح.
(1) 1 - أخرجه البخاري من حديث عبد الله بن عمرو، كتاب (60) الأنبياء، باب (39) أحب الصلاة إلى الله صلاة داود وأحب الصيام إلى الله صيام داود، رقم 3238، وأخرجه مسلم من حديثه أيضا، كتاب (13) الصيام، باب (35) النهي عن صوم الدهر، رقم 1159.