نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11
الجزء ١٤ · صفحة ٥٠٠ثم علل دعاءه بقوله: (إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ)، هكذا بصيغة المبالغة وضمير الفصل، ويلاحظ تقديم طلب المغفرة على طلب الملك المميّز مما يترتب عليهما سعادة الدنيا والآخرة وكلتاهما من الهبات العظيمة.
ثم أخبر الله أنه أجاب دعاءه في تحصيل ما طلبه، فجاء ذكر النعم التي أفاضها عليه مفرّعا عن ذلك الدعاء فقال: (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ، وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ، وَءَاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الاَصْفَادِ).
أ) - تسخير الريح له يجعلها منقاده طيّعة لأمره، أي هي لينة لا تؤذي ولا تدمّر، و (حيث أصاب)، أي إلى الجهة التي أراد، وقد جاء الوصف في سورة الأنبياء بـ"عاصفة"، أي قوية بما يلزم لإقلاع البساط وهبوطه، كما نشاهده اليوم في إقلاع الطائرات من المدرج وهبوطها عليه حتى إذا استوت على الهواء مرتفعة، فإنها تتوازن في استوائها واندفاعها. أما كيف كان شكل ذلك البساط وكيف يسيّره سليمان؟، فتلك معجزة خارقة للعادة، والله ذو القوة المتين هو الذي سخر له ذلك، فكان أمر سليمان للريح من أمر الله لها وتسخيره إياها.
ب) - (وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ): أي وسخّرنا له الشياطين من الجنّ تعمل بأمره منقادة لإنجاز ما يريده من المباني الضخمة قصورا وعمارات وحصونا، أو لجلب ما يطلبه من اللآلئ والمرجان غوصا في أعماق البحار، كما فصّل الله ذلك في سورة سبأ: (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِي وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ) (13).