نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11
الجزء ١٥ · صفحة ٤الخطاب في: (وَاذْكُرْ) لرسول الله ولكل من يتأسّى به من المؤمنين وهو معطوف على: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ)، وقد شرّف الله أيوب بالعبودية كأسلافه في امتحان الشكر والصبر: (إِذْ نَادَى رَبَّهُ)، أي اذكره حين نادى ربه، (أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ): فنادى ربه بمعنى دعاه دعاء استغاثة واستعطاف، ومضمون دعائه هو قوله: (أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ)، والجملة تتعلق بفعل: (نَادَى) بحرف جرّ محذوف، والتقدير: نادى ربه بأني مسني الشيطان، والنصب هو التعب الشديد. والعذاب: كل ما يشق على النفس ويؤلمها والمقصود به هنا ألم المرض الذي يعانيه، ومسّ الشيطان إياه هو بمعنى وسوسته وكيده بتضخيم ذلك النصب والعذاب في نفس أيوب حتى يجزع مما أصابه فيسيء الظن بربه.
وتقول الرواية: إن الشيطان قد حسد أيوب على ما آتاه الله من سعة في الرزق، وزعم أنّ صلاحه واستقامته مع ربّه كان بسبب ذلك، فلو ابتلاه الله في ماله وصحته لما صبر على ذلك، غير أن أيوب قد خيب ظن الشيطان فنجح في امتحان الصبر كما نجح في امتحان الشكر.
والواقع أن البلاء في كلتا الحالتين من الله تعالى، ولكن أيوب نسبه إلى الشيطان تأدّبا مع الله، كما ورد ذلك في سورة الأنبياء إذ قال: (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (الأنبياء:83). ومثل هذا الأدب العالي من عدم نسبة الشرّ إلى الله نجده في أسلوب القرآن الكريم وهو تعالى يقول فيه: (مَآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ) (النّساء:79). وهذا رسول الله يقول في تهجّده بالليل: «لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك تباركت وتعاليت، استغفرك وأتوب إليك»(1).
(1) 1 - أخرجه مسلم من حديث علي بن أبي طالب، كتاب (6) صلاة المسافرين، باب (26) الدعاء في صلاة الليل وقيامه، رقم 771.