نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11

الجزء ١٥ · صفحة ٢٧

(قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ، قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ):

سئل إبليس عن المانع له من السجود لهذا المخلوق الذي تولّى الله خلقته بيديه وكرّمه بنفخة من روحه، وفي التعبير بقوله تعالى: (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) تنويه وتكريم لآدم، وكونه خيرا من إبليس، لأن الكون كله بما فيه خلق لله، وإنما هي خصوصية سئل إبليس عن المانع من سجوده أهو الاستكبار أم هو التعاظم بغير حق؟، ومن العالين على آدم فلا يستحق أن يعظمه؟، فأجاب إبليس: (أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ).

لقد اعترف إبليس بالقاسم المشترك بينه وبين آدم، وهو المخلوقية من الله لكل منهما فقال: خلقتني وخلقته. غير أنه أخطأ في تقديره لقيمة المادة في كل منهما فرأى أن عنصر النار خير من عنصر التراب نظرا لطبيعة كل منهما، فالنار عنده أشرف وأغلى قيمة من التراب، وكذلك يراه الفلاسفة الأقدمون، وبمثل هذه النظرة السطحية في تقدير الأشياء تتكوّن النزعات الشيطانية، فإن شرف آدم وتكريمه في الملإ الأعلى لم يكن لكيانه المادي المخلوق من تراب الأرض، ولكن كان لتلك النفخة الربانية المودعة في جسمه، والتي أهّله الله بها ليكون خليفته في الأرض، والتي جعلته يستوعب الأسماء كلها، ويستظهرها أمام الملائكة الذين عجزوا عن الإنباء بها فاقتنعوا بحكمة الله في خلقة الإنسان، فالتسوية الربانية لهذا المخلوق هي لهذا الجانب النفسي فيه كما قال تعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) (الشمس:7 - 8). وقال الشاعر في هذا المعنى:

أقبل على النفس واستكمل خصائصها … فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان.

٤٬٨٤٦ / ٦٬٢٠١