نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11

الجزء ١٥ · صفحة ٢٦

يقول سيد قطب معلقا على فواتح القصة وعلى النفخة العلوية في ذات الإنسان يقول: "وما ندري نحن كيف قال الله أو كيف يقول للملائكة وما ندري كذلك كيف يتلقى الملائكة عن الله ولا ندري عن كنههم إلا ما بلغنا من صفاتهم في كتاب الله، ولا حاجة بنا إلى الخوض في شيء من هذا الذي لا طائل وراء الخوض فيه". ثم يقول: "ونحن نجهل كنه هذه النفخة، ولكننا نعرف آثارها، فآثارها هي التي ميزت هذا الكائن الإنساني عن سائر الخلائق في هذه الأرض، ميزته خاصية القابلية للرقي العقلي والروحي".(1)

قال تعالى آمرا ملائكته: (فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ)، الربط بالفاء لجواب الشرط بـ"إذا" وأمرهم بالوقوع ساجدين لا يتم إلا بالخرور إلى الأرض ووضع الجبهة عليها، وهو سجود تحية وتكريم لا سجود عبادة، لأن سجود العبادة لا يكون إلا لله.

(فَسَجَدَ الْمَلآَئِكَةُ كُلُّهُمُ أَجْمَعُونَ): امتثل الملائكة أمر الله فورا عقب نفخ الروح في آدم، والتوكيد بقوله: (كُلُّهُمُ أَجْمَعُونَ) يدلّ على أنهم سجدوا عن آخرهم، وأنهم سجدوا في وقت واحد غير متفرقين.

(إِلآَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ): استثنى الله إبليس من السجود، ويبدو أنه استثناء متصل فهو -وإن لم يكن من جنس الملائكة كما تدلّ على ذلك آية الكهف: (إِلآَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنَ اَمْرِ رَبِّهِ) (50) - كان معهم، إذ لم تكن السماوات ممنوعة عن الشياطين، ولذا فقد تلقى أمر الله بالسجود مع الملائكة، بدليل قوله تعالى في سورة الأعراف: (مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذَ اَمَرْتُكَ) (12). وقد بيّن الله سبب امتناعه عن السجود بأنه نزعة الكبرياء والحسد، وكان بذلك من الكافرين، فهو في علم الله وقضائه من الكافرين قبل ظهور نزعته تلك بالامتحان في الواقع، وقد حاكمه الله إذ نودي بشخصه أمام الملإ الأعلى لمساءلته عن سبب امتناعه من السجود لآدم.

(1) 1 - في ظلال القرآن: 23/ 109.

٤٬٨٤٥ / ٦٬٢٠١