نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 12
الجزء ١٦ · صفحة ١٥(يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِّنم بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ): أي إن عملية الخلق وتقدير أطوارها في بطون الأمهات، لكل الحيوانات الثديية تكون متدرجة متتابعة، وذلك ما تدلّ عليه صيغة المضارع: (يَخْلُقُكُمْ): وتشمل غير العاقل على سبيل التغليب. وقد فضل الله تلك الأطوار في سورة "المؤمنون" –كما تقدم- كما أجملها في قوله تعالى: (مَا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا* وَقَدْ خَلَقَكُمُ أَطْوَارًا) (نوح: 13 - 14). وفي قوله: (فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ): هي ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة غشاء الجنين، وقد وصفه الله بالقرار المكين في قوله: (أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ* فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ* اِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ* فَقَدَّرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ) (المرسلات:20 - 23). وكون تلك الخلية الصغيرة المتخلقة من حيوان منويّ من الذكر وبويضة الأمّ ترعاها عين الله في تلك الظلمات المتراكمة، فيه تنبيه على إحاطة علم الله بما هو أخفى، وعلى نفوذ قدرته في ما هو أدق من مخلوقاته مما يدلّ على أن المتفرّد بالتصرّف والتدبير لشؤون خلقه وحده لا شريك له، وأنه المستحق للعبادة وحدة فقال:
(ذَالِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لآَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ):
تذييل مناسب عقب بسط تلك الأدلة الواضحة المقنعة واختيار اسم الإشارة: (ذَالِكُمُ): مع الإتيان بلفظ الجلالة: (اللَّهُ): ووصفه بالربوبية: (رَبُّكُمْ): كل ذلك لزيادة البيان مراعاة لحال المخاطبين ممن لا يرتقون في تصوّرهم لمعنى الألوهية والربوبية الحقة، والذي له الملك الحقيقي وحده.
(لآَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ): فلا معبود بحق سواه في الوجود. وكان المفروض أن يذعن أولئك المتردّدون الشاكون إلى نصاعة تلك الأدلة على جلال الألوهية وعظمتها ولكنهم في الواقع لا نزيدهم إلا ابتعادا ونفورا.