نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 12
الجزء ١٦ · صفحة ٢١الجملة معطوفة على قوله تعالى: (ذَالِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ): وهي بيان لحال التقلب والتناقض عند الكفار، لأن التعبير "بالإنسان" في قوله: (وَإِذَا مَسَّ الاِنسَانَ ضُرٌّ): يراد به الجنس العرفي لفريق من الناس وهم المشركون الذين يجعلون لله أندادا كما وصفهم الله. ويبدو تقلبهم وتناقضهم في اختلاف مواقفهم من السراء والضراء، فهم عند إصابتهم بأدنى ضرّ من خوف أو مرض أو غيرهما من المصائب الأخرى تضرّعوا إلى الله وإلتجأوا إليه وحده لكشف ذلك الضرّ عنهم، تائبين إلى الله مستغيثين به لتفريج كربتهم وإنقاذهم مما فيه من بلاء. ولكنهم بمجرّد شعورهم بالأمن والطمأنينة بانحسار ذلك الضرّ عنهم، أو بحصولهم على نعمة يرجونها، فإنهم سرعان ما ينسون ذلك التضرع وتلك الاستعانة بالله، بل ويعودون إلى ضلالهم وإضلالهم باتخاذ الأنداد من دون الله يعبدونها ويتقربون إليها كأن لم يكونوا يدعون الله من قبل إمعانا منهم في الإضلال عن سبيل الله وصدّ الناس عنه ذلك لأن الإنسان إذا أخطأته الهداية والتوفيق فإنه يعترّ بقدراته ويطغى بما توفّر لديه من أسباب القوة والرفاهية.
ويلاحظ في مبين الآية قوله تعالى: (نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ): فلم يقل مثلا: "نسي من كان يدعوه من قبل" ولذلك يكون المعنى:
أ) - نسي ذلك الدعاء والتضرّع الذي كان يدعو به إلى الله من قبل، لأن: (مَا): لغير العقلاء.
ب) - والاحتمال الثاني: نسي ربّه الذي كان يدعوه من قبل مبتهلا متضرعا فيكون استعمال: (مَا): لتهويل وتعظيم ذلك النسيان في حق الله.