نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 12
الجزء ١٦ · صفحة ٤٩الجملة معطوفة على قوله تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ): ليتمّم ذكر خصائص القرآن، فتصدرت بلام القسم و"قد" المفيدة للتحقيق، وذلك مراعاة لمنكري صدق القرآن، وللتنويه بشأنه جاء التعبير بنون العظمة: (ضَّرَبْنَا لِلنَّاسِ): أي لجميع الخلائق لأن الرسول مبعوث للناس كافة والمثل في القرآن يوتى به لإبراز المعنى في صورة حسية موجزة، وقد وردت في القرآن أنواع من الأمثلة بيّنها وفصّلها كثير من العلماء قديما وحديثا في كتب قيمة، ولهذا قال تعالى هنا: (مِن كُلِّ مَثَلٍ): أي هي من أبرز الأمثال وأشرفها تأثيرا وإفادة ليكون لها ذلك الأثر البليغ في نفوس المتذكرين لتقويم سلوكهم وتهذيب نفوسهم.
(قُرءَانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ): وصف الله القرآن بأوصاف ثلاثة تميزه عن غيره، فقال:
أ) - (قُرءَانًا): وإن كان لفظ: "القرآن": قد صار علما لكتاب الله المنزل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم فهو في الأصل اللغويّ مصدر لفعل قرأ يقرأ أي تلفظ ونطق بكلماته، أي جعله الله ميسّرا للذكر والتلاوة يتلى على مسمع الزمان غضا طريّا محفوظا من كل تغيير أو تبديل إلى قيام الساعة.
ب- (عَرَبِيًّا): وقد تتعدد هذا الوصف للقرآن –أي هو منزل بلسان عربيّ مبين في قمة الفصاحة والبلاغة يحدّى بإعجازه الناس أجمعين، وفي مقدمتهم العرب الذي نزل بلسانهم، وفي هذا الوصف تأنيب للمشركين إذ تلقوه كمن تلقى كلاما بلغة لا يفهمها.
ج- (غَيْرَ ذِي عِوَجٍ): أي هو مستقيم المعنى والمعنى غير متناقض، بل هو قيّم مستقيم كما قال تعالى في سورة الكهف: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا* قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ) (1 - 2). والتذييل هنا بقوله: (لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ): لأن التقوى تنجرّ عن حسن التذكر والتدبّر، أي ليتقوا ما ينذرهم به من عذاب الله.