نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 12
الجزء ١٦ · صفحة ٥٦الجملة معطوفة على ما قبلها صدّرت بالموصول: (الذِي): في موضع رفع مبتدأ خبره قوله تعالى: (أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ): وقد قابل الله بين فريقين من المكذبين في الآية السابقة بفريقين من المصدقين في هذه الآية فقال:
أ) - (وَالذِي جَآءَ بِالصِّدْقِ): وهو رسول الله جاء بالقرآن الكريم يبلغه عن الله بأمانة ونزاهة وهو الصادق المصدوق ويندرج معه في هذه الصفة كل الرسل والأنبياء، وجملة الرسالات من بعدهم في الدعوة إلى الله وفي النصح والإرشاد.
ب) - (وَصَدَّقَ بِهِ): وهي جملة أخرى لموصول محذوف إيجازا تقديره: "والذي صدّق به" أي الذين صدّقوا بما جاء به رسل الله فأمنوا بهم واتبعوهم وصف الله الفريقين: "بالمتقين" وجيء باسم الإشارة: (أُوْلَئِكَ): لتميزهم عن غيرهم وبضمير الفصل لإفادة الحصر، والوصف بالتقوى هو شارة الفوز والنجاة من عذاب الله لقوله تعالى: (فَمَنَ -اَمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) (الأنعام:48). ولا شك أن المتقين هم أولئك الذين صدّقوا بما أنزله الله في القرآن والتزموا بتطبيق أحكامه وتوجيهاته كما أمر الله، وقد بيّن جزيل ثوابهم بقوله:
(لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ): أي يعطيهم ربّهم كل ما يطلبون من نعيم الجنة، وقوله: (عِندَ رَبِّهِمْ): زيادة على ما في هذه الإضافة من التشريف لهم لما في معنى "الرّب" من الرعاية والتكريم، فإن القيد: (عِندَ رَبِّهِمْ): فيه معنى الالتزام بتحقيق الوعد ونظرا لأهمية ذلك الوعد الإلاهي قال تعالى: (ذَالِكَ جَزَآءُ الْمُحْسِنِينَ): أثنى الله عليهم بوصف الإحسان زيادة عن وصف المتقين تنويها بشأنهم ورفعا لدرجاتهم لأن مرتبة الإحسان هي العليا في درجات القرب عند الله، وهي كمال التقوى لقوله صلى الله عليه وسلم: في تفسيره للإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»(1).
(1) 1 - الحديث: