نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 12
الجزء ١٦ · صفحة ٦٥نحن بأزاء دليل قاطع على قدرة الله على الإحياء والإماتة، وذلك في ما يعترونا من النوم واليقظة في حياتنا وقد سمّى كلاّ من النوم وفاة ومن اليقظة بعثا في سورة الأنعام فقال: (وَهُوَ الذِي يَتَوَفَّاكُم بِاليْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (60). وقد أبان الله في هذه الآية من سورة الزمر بتفصيل أكثر تلك الظاهرة العجيبة التي اعتبرها الله من آيات قدرته ومن مظاهر رحمته بنا في اختلاف الليل والنهار، فقال: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الاَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ التِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الاُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى): وقد صدّرت الجملة بلفظ الجلالة لتعظيم شأن قدرته، ولإفادة تخصّصه بمضمون الخبر وأصل مادة: "توفّى، يتوفّى" ومشتقاتها هو بمعنى استيفاء المقدار المحدّد للشيء، فمعنى: (يَتَوَفَّى): يميت فالوفاة تحصل للنفس بالموت الكليّ، أو بالنوم فيكون الموت جزئيا، فتموت النفس موتا كليّا عندما تستوفى أجلها المقدّر في الحياة، إذ يقبض الله الروح إليه فتنفصل عن الجسد ويتحقق بذلك الموت النهائي، كما يقبض الروح إليه قبضا جزئيا فتنام النفس وتسلّب عنها الحركة الإرادية ثم يرسلها إلى النفس التي لم ينته أجلها وبفك عنها قيد النوم فتصحو وتستيقظ لتمارس نشاطها الحيوي إلى الأجل المقدر لها، فالنوم موت مؤقت باعتبار عمر البشرية، وقد قال الشاعر:
العيش نوم والميتة يقظة … والمرء بينهما خيال سار.
وقال آخر:
الأمانيّ حلم في يقظة … والمنايا يقظة من حلم.
فسبحان المدبّر الحكيم إذ قال: (وَفِي أَنفُسِكُمُ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ) (الذاريات:21).