نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 12

الجزء ١٦ · صفحة ٨١

وفي قوله: (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَنْ يَّاتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ): فالعذاب للمجرمين الضالين وللعصاة الغافلين آت -لا محالة- ومنه عذاب الدنيا الذي يحصل للمشركين إن هم تمادوا على غيّهم، فلا واقي من ذلك العذاب إلا حصول التوبة والإنابة إلى الله وإسلام الوجه له، بالإلتجاء إليه مباشرة، لأن أبواب رحمته مفتوحة فالعاقل هو من لا يفوّت الفرصة على نفسه، ثم إن نفي النصير وعطفه "بثم" يدلّ على شديد الهمة في المبادرة للتوبة رحمة من الله لخلقه، ثم أضاف الله أمره للمخاطبين بإتباع أحسن ما أنزل إليهم، وهو القرآن الكريم بناء على ما تقدم فيه من الأوصاف المنوهة بشأنه في ما سبق في قوله: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ) (23).

وقد كرّر التخويف بإتيان العذاب بزيادة قيد: (بَغْتَةً): لمزيد من التحذير والتخويف، والخطاب للمنيبين إلى ربهم مشركين أو عصاة، ففي القرآن ما يأخذ بأيديهم إلى مرضاة الله والحصول على مغفرته ورحمته.

(أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُّ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ* أَوْ تَقُولَ لَوَ اَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ* أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوَ اَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ):

جاءت هذه الآيات تعليلا للأوامر السابقة يحذّر الله تعالى فيها من التعلق بالأماني الكاذبة، أو التحسّر على التقصير والتسويف في وقت لا ينفع فيه ذلك.

فيكون المعنى: بادروا إلى التوبة والإنابة إلى الله واحذروا أن تقول نفس قصرت في التوبة: (يَاحَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُّ فِي جَنبِ اللَّهِ): والحسرة هي شدة التلهف والحزن والندم على ما فات، ولا شك أن المصرّح بحسرته ينفس عما في نفسه من ضيق الندم على ما اقترفه.

٤٬٩٣٨ / ٦٬٢٠١