نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 12
الجزء ١٦ · صفحة ٨٢والتفريط في جنب الله -أي في حقه وشأنه- مما يجب له من الطاعة والإخلاص.
قوله: (وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ): بيان لدوافع ذلك التفريط وأنه السخرية والاستهزاء بما جاء به الرسول من عند الله، وتفريط الساخر هو أدعى لغضب الله وسخطه ويا ما ندّد القرآن بالساخرين والمستهزئين كقوله تعالى: (وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ* ذَالِكُم بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمُ ءَايَاتِ اللَّهِ هُزُؤًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ) (الجاثية: 34 - 35).
أو تقول: (لَوَ اَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ): أي يتمنى المجرم حين يرى عبدي العذاب لو أن الله هداه في الدنيا ليكون من المتقين الناجين، أي ينفصل من تبعته الشخصية اعتمادا على قدر الله، وهي مغالطة أجاب الله عنها بعد ذلك.
(أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوَ اَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ): أي يتمنى رجعة إلى الدنيا لتحسين عمله حتى يكون من المحسنين، ويتضمن ذلك اعترافا بأنه كان من المسيئين.
ويبدو أن ردّه تعالى بقوله: (بَلَى قَدْ جَآءَتْكَ ءَايَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ):
يبدو أنها للأمنية الثانية في قول المجرم: (لَوَ اَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ): لإقامة الحجة عليه بأن الله أنزل الكتاب وبعث الرسول ليهتدي بهما إلى سبيل المتقين، ولكنه كذب واستكبر واختار سبيل الكفر والضلال، وعلى فرض رجوعهم إلى الدنيا فإن ذلك لن يغيّر من سلوكهم الذي عاشوا عليه لقوله تعالى: (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) (الأنعام:28).