نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 12
الجزء ١٦ · صفحة ٨٨فإذا كان رسول الله قد استعصى عليهم في محاولتهم إفتانه عن دينه الحق، وكان ذلك من تمام جهلهم بعصمة الرسول وزكاء نفسه، فإنه تعالى يبين لهم بأن مبدأ التوحيد هو سنة الرسل جمعيهم، وأن أي إشراك لله في عبادته محبط للأعمال ومعرّض للخسران فقال تعالى
(وَلَقَدُ اوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنَ اَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ* بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ):
أكد الله الإخبار بالام المشعرة بالقسم المفيدة للتحقيق مراعاة لحال المخاطبين الكافرين.
وقد بيّن الله مضمون ما أوحى به إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وإلى جميع الأنبياء من قبله، بيّن ذلك المضمون بقوله: (لَئِنَ اَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ* بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ).
والحبط للأعمال هو إبطالها وإلغاؤها، فإن المشرك قد يقوم بأعمال خيرية مختلفة، -كما تقوم به اليوم كثير من المؤسسات العالمية- سيما في وقت الضوائق والكوارث، حتى يغترّ الكثير منا بوصفهم بأنهم المسلمون الحقيقيون، غير أن الله في إخباره المؤكد بهذه الآية بحكم بأن لا قبول للأعمال مهما كانت خيرية إلا إذا كانت قائمة على أساس التوحيد لله وإسلام الوجه له، كما أخبرنا عن شأن أعمال المشركين في فصل القضاء فقال تعالى:
(وَقَدِمْنَآ إِلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُورًا) (الفرقان:23). والمقصود بتاء الخطاب في قوله: (لَئِنَ اَشْرَكْتَ): إما للرسول وحده، فهي بيان لقوله: (وَلَقَدُ اوحِيَ إِلَيْكَ): أو هي لكل نبي أوحي إليه فيكون بيانا لقوله: (وَإِلَى الذِينَ مِن قَبْلِكَ): وفي كل حالة هي للتعريض بالمشركين، لأن الإشراك لا يتوقع من الأنبياء، فإذا أصبح العمل غير ذي قيمة تعود على صاحبه يفوز وربح فهو من الخاسرين ثم قال تعالى.