نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 12
الجزء ١٦ · صفحة ٨٩(بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ): وللتأكيد على إخلاص العبادة لله جيء بأداة الإضراب: (بَلِ): لإبطال محاولة المشركين والتحذير منها، وجاء الأمر الإلاهي بصيغة الحصر بتقديم المعمول.
(وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ): عطف الأمر بالشكر على عبادة الله يقتضي أن يكون الشكر أخصّ من العبادة، وهو يتمثل في العمل الصالح الذي يرضى الله في مقابلة نعمه بما تستحقه من الشكر للمنعم.
وبعد أن نهى الله على المشركين محاولتهم الخسيسة مع رسول الله، وبين فساد نصرّفهم محرّضا رسوله بأن يعبد الله وحده، بين هنا مبلغ جهلهم بقدر الله وعظم شأنه، إذ لو أنهم عرفوا الله حق معرفته لما قاموا بتلك المحاولة، فقال:
(وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالاَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتُم بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ): هذه الجملة وإن كانت معطوفة على ما سبق من الآيات التي تبيّن قدرة الله وعظمته في قوله: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ). فإنها أيضا تصلح أن تكون مقدمة لمشاهد يوم القيامة التي تختم بها السورة الكريمة.
وبعد أن بين الله خسران الذين كفروا بوحدانية الله ووصفهم بالجهل ذكر هنا بأنهم ما قدروا الله حق قدره، فهم وإن كانوا يعترفون بوجود الله ويقرون له بالخالقية والرازقية، فإن الباعث على إشراكهم به هو نقص إدراكهم لمدى عظمة الله وقدرته، إغترارا بحظوظهم الدنيوية –كما تقدم- لأن المعرفة الظاهرية للشيء لا تعمق النظرة التقييمية له، وفي هذا المجال يتفاوت إدراك الناس لقيمة الأشياء البسيطة، فما بال إدراكهم لعظمة الخالق وهم أسراه الواقع المشاهد وحبيسو الشهوات المادية المحدودة.