نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 12
الجزء ١٦ · صفحة ٩٥والنفخ في الصور، النفخة الأولى هو للإعلان عن قيام الساعة الكبرى، يوم تموت الخلائق كلها في الأرض وفي السماوات، ومع الموت همود وسكون، وقد اعتاد الناس في دنياهم سماع ذلك الصوت المدوّي عند الفزع لخطر داهم، أو لتجميع حاشد، أما عن حقيقة ذلك الصور في شكله أو كيفية أداء مهمته بل حتى عن النافخ فيه من هو فليس هناك ما يعتمد عليه من بيان نيويّ، وكذا المستثنون من الصعق لا يدري من هم، وقبل هم عليه الملائكة "جبريل ومكائيل وإسرافيل، وعطف الله النفخة الثانية للبعث "بثم" الدالة على التراخي الزمني، والله أعلم بمدته. غير أن اختيار "إذا" الفجائية
في قوله: (فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ): والضمير: (هُمْ): عائد إلى من في السماوات ومن في الأرض فيه دلالة على سرعة القيام من القبور وهم كاملو الخلقة وفي كامل الوعي. وقد عبّر القرآن عن النفخة بالصيحة فقال تعالى: (يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَالِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ) (ق:42).
كما عبّر عنها بالناقور فقال: (فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ* فَذَالِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ* عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ) (المدثر: 8 - 10).
ثم تحوّل المشهد إلى موقف الحشر في المحكمة الإلاهية لفصل القضاء فقال:
(وَأَشْرَقَتِ الاَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيئِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ* وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ):
طوى النصّ مشهد تجميع الخلائق لموقف المحشر واختلاف أحوال الخلائق أمام تلك الأهوال، وكيف تتمّ الشفاعة الكبرى لرسول الله فتنطلق عملية الحساب، ولكن المشهد هنا يبدأ في جلال وخشوع بذكر بعض الأحوال.