نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 12

الجزء ١٦ · صفحة ١٢٧

ويعلم الله ما تخفى الصدور من خواطر النفس خيرها وشرّها، جليلها وحقيرها، وتتفاوت تلك الخطرات بحسب أثرها في النفس ومفعولها على تكييف العمل، ويعلم ما تخفيه السرائر بمعنى المجازاة عليها، فإن تكن في الخير والصلاح فلا إشكال، وأما إن كانت في الشرّ والباطل، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل»(1). ولا نأخذ هذا الحديث علة إطلاقه، إذ هناك من خواطر النفس ما هو منهي عنه، كالكفر الذي يخفيه المنافق والرئاء الذي يخفيه المرائي، والغلّ والكراهية التي يخفيها المشاحن الخ .... ولذلك قسم العلماء حديث النفس إلى درجات هي:

أ) - الهاجس: وهو ما يقع في القلب أول مرة.

ب) - الخاطر: إذا تمكن الخاطر وبدأ يتحرك في القلب.

ج) - حديث النفس: إذا طال أمد الخاطر وراح يتردّد بين أخذ ورد، حتى لكأن في القلب شخصين يتحدثان.

د) - الهمّ: أي بعد الإقدام والإحجام على فعل الشيء يترجع أحد الطرفين.

هـ) - العزم: هو آخر درجات الفكر وأول درجات العمل.

ويقول العلماء: "لا إثم في الأربعة الأولى لأنها لا مفرّ منها في حديث النفس، ولكنك إذا عزمت على العمل فهناك يكون الحساب حتى وإن منعه مانع أو عاقه عائق"(2).

(وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ اِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ):

لما نفى الله أي حميم أو شفيع في موقف الحساب للظالمين، وتبنّهما إلى علمه الشامل المحيط حتى لخلجات نفوسنا، عطف على ذلك قوله: (وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ): أي يجازى كل نفس بما تستحقه بالعدل وموازين القسط إن خيرا أو شرّا. وإظهار لفظ الجلالة في أول الجملة عوضا عن الضمير هو لاستحضار صفات الكمال للذات العلية لدى السامع بما فيها العدل في القضاء.

(1) 1 - الحديث: رواه البخاري.

(2) 2 - عن رحاب القرآن: (بتصرف) جزء 15 صفحة: 96.

٤٬٩٨٤ / ٦٬٢٠١