نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 12
الجزء ١٦ · صفحة ١٢٨(وَالذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ): زيادة تحقير وتسفيه للآلهة الباطلة، بأنها لا تملك شيئا ولا تقدر على شيء وبالتالي لا تملك أن تقضي على شيء بالحق أو بالباطل، لأنها لا تعلم شيئا، وإن الله السميع العليم والعادل في حكمه على عباده هو وحده المستحق للطاعة والعبادة، وما أروع إختيار صفتي السمع والبصر، بصيغة المبالغة وبضمير الفعل ما أورع إختيار ذلك للمعبود الحق في مقام الحساب وفصل القضاء بالحق، وفي نفي ذلك عن الآلهة الباطلة التي يدعو بها من دون الله تسفيه لها بأنها لا تسمع ولا تبصر، فكيف تستحق العبادة؟؟ … ثم ينتقل السياق من التخويف بعذاب الآخرة إلى التحذير من عذاب الدنيا، يأخذ العبرة من الأمم المكذبة برسلها كيف كانت عاقبة أمرها فقال تعالى:
(أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الاَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمُ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَءَاثَارًا فِي الاَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ وَّاقٍ* ذَالِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَّاتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ):
الجملة: (أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الاَرْضِ): معطوفة على ما سبقها من التخويف بعذاب الآخرة، وبما أن المشركين المخاطبين بها يومئذ لا يؤمنون بالآخرة، فإن الأنسب لمقتضى حالهم أن ينبّهوا إلى ما يجدون فيه الشواهد والآثار على عبرة التاريخ، وهم يركبون الأسفار والواقع أن التاريخ البشريّ حافل بالعبر، وسنة الحياة قوانينها لا تتخلف، وفي تدبيرها والاعتبار بها إرشاد للحائر يقول الشاعر:
وإذا فاتك التفات إلى الما … ضي فقد غاب عنك وجه التأسّي