نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 12
الجزء ١٦ · صفحة ١٤٠أ) - باستنكار قتل موسى لمجرّد أن قال: (رَبِّيَ اللَّهُ): مستبدا على بينات واضحة تدعم معتقدة ثم هو لا يجبركم أن تؤمنوا به، ولتحويل مستمعيه إلى أسلوب المجادلة والحوار وزرغ الشك في نفوسهم وضع موسى بين أمرين لا ثالث لهما، فإما أن يكون كاذبا في ما يدعو إليه، وإما أن يكون صادقا، وفي كلتا الحالتين فهم المستفيدون، ففي حالة الكذب تكونون حجة عليه، إذ يوصف بالكذب، وتكونون أنتم في منجاة مما توعدكم به، وفي حالة صدقه، يكون هو حجة عليكم فيخيبكم بعض ما توعدكم به والتعبير: (بَعْضُ الذِي يَعِدُكُمُ): أي تلاحظون بوادر ذلك الشرّ المتوعد به فتحاولون اتقاءه بتصديقه وإتباعه، وجاء التذييل بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ): يحتمل أن يكون من تعليل الرجل المؤمن لكلامه، ووجه التعليل واضح ويحتمل أن يكون من كلام الله فيكون شهادة منه على تقوى الرجل وصدقه، لأنه تعالى لا يهدي من هو مسرف مرتاب، ثم تدرّج الرجل المؤمن إلى التحذير من مغبة الظلم والطغيان فقال:
(يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الاَرْضِ فَمَنْ يَّنصُرُنَا مِنم بَأْسِ اللَّهِ إِن جَآءَنَا):
نلاحظ تنويع الأسلوب من الخطاب إلى المتكلم، فبينما يصفهم مخاطب إياهم بالقوة والغلبة وامتلاك السلطة في أرض مصر، يعتبر نفسه واحدا منهم عندما حذّرهم من نقمة الله إن هم استمرّوا في تكذيبهم لرسوله، وبذلك يظهر أمامهم بمظهر الناصح الأمين الذي يريد لهم الخير، ولكن فرعون أحسّ بقوة تأثير الرجل المؤمن في نفوس جلسائه، فقاطعه مراوغا أصحابه بأنه يخلص لهم النصح ويدلّهم على سبيل الرشاد.