نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 12
الجزء ١٦ · صفحة ١٤١(قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمُ إِلاَّ مَآ أَرَى وَمَآ أَهْدِيكُمُ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ): لقد أخذته العزة بالإثم، فقطع على أصحابه سبيل التأمّل الواعي وقد أحسّ بحرارة النصح عند الرجل المؤمن فأراد أن يحصر رأيهم في قتل موسى في ما يراه هو من أن قتله هو سبيل النجاة والإنقاذ لملكهم، وهكذا شأن الطغاة في تكميم الأفواه وخنق الأنفاس يقول تعالى في سئل هذه المعاملة الفرعونية بقوله: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) (الزخرف:54).
ويتابع الرجل المؤمن نصحه لقومه بعد أن نجح في جعلهم يتريثون في قرارهم قتل موسى، فرأى من واجبه أن يتابع نصحه ويصدع بالحق الذي يعتقده وربما أصبحوا يحسّون بإيمان الرجل، فتحوّل إلى الإنذار المباشر والتخويف من عذاب الدنيا بإلفات نظرهم إلى مصارع من سبقوهم من الأمم المكذبة برسلها فقال:
(وَقَالَ الذِي ءَامَنَ يَاقَوْمِ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الاَحْزَابِ* مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالذِينَ مِنم بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ):
لقد أطلق القرآن كلمة: (الاَحْزَابِ): على الأمم الكافرة عبر التاريخ البشري، كما أطلقها على أعداء رسول الله في حصارهم للمدينة المنوّرة، والتذكير بمصارع المكذبين يهز القلوب المتحجرة مدفوعة بحبّ البقاء، وكان قوم فرعون على معرفة بما حدث لتلك الأمم، ولا بدّ أن تلين قلوبهم بما يتذكرونه من تلك البصائر المشؤومة لأولئك الأقوام حتى أصبحوا أحاديث للموعظة والعبرة جزاء ما اختاروه لأنفسهم من الكفر والعناد وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.
ولم يكتف الرجل المؤمن بتحذير قومه من العذاب العاجل بل أضاف التحذير من العذاب الآجل في يوم القيامة فقال: