نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 12
الجزء ١٦ · صفحة ١٤٩(وَقَالَ الذِي ءَامَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ* يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الاَخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ* مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ اَوُ اُنثَى وَهُوَ مُومِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ):
لقد أصرّ الرجل المؤمن على إبلاغ دعوته التي أصبحت جزءا من كيانه، وهو متلطّف مع قومه في دعوته، إذ كرّر نداءه لهم في كل مرّة: بـ (يَاقَوْمِ): فبعد دعوته إياهم إلى الإيمان بدعوة موسى بصفة عامّة، وبعد أن احتال فرعون في إبعاد الدعوة عن قصره بتدبيره تلك الحيلة مع وزيره الأول، رأى الرجل المؤمن أن من واجبه أن يتابع دعوته في قومه وهو في هذه المرّة يعلن عنها بصراحة ويبيّن مرتكزاتها مفصّلة ويمهّد لها بقوله:
(يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ): وإفصاحه بإتباع سبيل الرشاد هو تحدّ صارخ لإعلان فرعون في قومه: (مَآ أُرِيكُمُ إِلاَّ مَآ أَرَى وَمَآ أَهْدِيكُمُ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ): وأي رشاد يكون في التأله على الله وفي الكفر والضلال وإنما الرشاد الحقيقي في ما يدعو إليه رسل الله من الإيمان بوحدانية الله، والإيمان بيوم البعث والجزاء، فقد حذرهم من الافتتان بالحياة الدنيا ورغبهم في نعيم الآخرة واستقرارها فقال: (إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الاَخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ): فمن معالم سبيل الرشاد معرفة حقيقة الدنيا بأنها متاع زائل مهما فتن به الناس لأنه ينتهي بالموت المحتوم لكل كائن حيّ، ومن ثمّ فهو متاع قليل بالنسبة لحياة الآخرة التي هي دار الاستقرار والخلود، إما في النعيم وإمّا في الجحيم -والعياذ بالله- ثم بيّن كيفية المجازاة وقاعدة الحساب في تلك الدار فقل: