نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 12

الجزء ١٦ · صفحة ٢٢٨

الآيات الثلاث معطوفة على مشهد شهادة الجوارح على أصحابها وتوجيهم اللوم لها والخطاب فيها لكل المشركين سواء الأحياء منهم في الدنيا على وجه التذكير أو للأموات منهم على وجه التبكيت، و (مَا): نافيّة وتقدر: "من" لفعل: (تَسْتَتِرُونَ): مع: (أَنْ): والتقدير: "وما كنتم تستترون من أن يشهد" الخ. والمعنى: إنكم في الدنيا كنتم لا تحققون شرككم، بل كنتم تتعاظمون به وتفخرون، فلماذا تلومون اليوم جوارحكم أن تشهد عليكم وكنتم تمارسون ذلك الشرك بها أو يكون المعنى: ما كنتم تستطيعون التستّر بكفركم عن جوارحكم لأنها أجزاء منكم، ولكنكم لا تدرون أنها سوف تشهد عليكم وأن الله لا يحيط بأعمالكم، إن استخفيتم بها، وهو ظن خاطيء في حق الله، وهو الذي أوردكم اليوم ما أنتم فيه من الهالك فأصبحتم من الخاسرين.

وكثير من الناس يخطئون في فهمهم لحسن الظن في الله وهم يقرأون بعض الأحاديث مثل قوله: صلى الله عليه وسلم في ما أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة عن جابر بن عبد الله قال الرسول: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله، فإن قوما قد أرداهم سوء ظنهم بالله»(1). فقال تعالى: (وَذَالِكُمْ ظَنُّكُمُ الذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمُ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ).

ويأتي سوء الظن من فساد التصوّر لحقيقة الألوهية إما بفساد التأويل للنصوص القطعية، أو بالإعتماد على بعض الأحاديث الضعيفة، وقد قال الحسن البصريّ: "إن قوما ألهتهم الأماني حتى خرجوا من الدنيا وما لهم حسنة ويقول أحدهم: إني أحسن الظن بربّي وقد كذب، ولو أحسن الظن لأحسن العمل وتلا هذه الآية: (وَذَالِكُمْ ظَنُّكُمُ الذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمُ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ) ".

(فَإِنْ يَّصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ وَإِنْ يَّسْتَعْتِبُوا فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ):

(1) 1 - الحديث: راوه أحمد وأبو داود وابن ماجة.

٥٬٠٨٥ / ٦٬٢٠١