نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 12
الجزء ١٦ · صفحة ٢٨٨وقوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ): لنفي المثلية عن ذاته العلية، فالله لا يشبهه شيء من خلقه، فهو يتنزه عن الشبيه، فالكاف بمعنى المثل، ويرى الإمام ابن عاشور وغيره أنها زيدت لتأكيد معنى المثل وقالوا إنها من التوكيد اللفظي باللفظ المرادف من غير جنسه، فتكون هذه الآية عي الأصل في تنزيه الله عن كل ما يكون للمخلوقات من الحواسّ والأعضاء، فيجب تأويل كل ما ورد في القرآن من ألفاظ الجوارح والأعضاء في حق الله تعالى وتخريحها مخرج التشابيه والإستعارات والكنايات مما استعمله العرب الفصحاء في أساليبهم.
(وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ): جاء التعبير بالحصر لإثبات الصفات المعنوية الدالة على الكمال من العلم المتعلق بجميع المسموعات والمبصرات من خلقه وهي في حقه تعالى صفات ذاتية لا تشبيه صفات المخلوقات التي تكون عارضة، وكان المربّون في تلقينهم للناشئة أصول العقيدة يصرّون لهم تلك الصفة الإلاهية الذاتية بقولهم: "يسمع دبيب النملة السوداء على الصخرة الصّماء، في الليلة الظلماء" ولله المثل الأعلى.
(لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَّشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ):
كما ثبتت لله الخالقية وحده في أرجاء ملكوته، فإنه قد أثبت لذاته العلية بهذه الآية صفة الرازقية، فاستعار لخزائن رزقه كلمة: (مَقَالِيدُ): وهي جمع: "مقلاد" وهو المفتاح شبهت خيرات أرزاقه بالكنوز التي تدخّر في الخزائن ينفق منها على خلقه كيف يشاء، قال تعالى: (وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ) (المنافقون:07). فهو يوزّع تلك الأرزاق بحكمة وتدبير محكم فيبسطها على من يعلم صلاحه في ذلك ويضيّقها على آخرين وفق ما يلائم أمر حبّهم وطبائعهم والتذييل بقوله: (إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) لإفادة أن مشيئته في توزيع الأرزاق جارية وفق علمه بأحوال عباده.
-والله أعلم-