نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 12
الجزء ١٦ · صفحة ٣١٣(اَمْ يَقُولُونَ): إضراب انتقالي والكلام المضروب عنه هو قوله من قبل، (أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ): وهو يتضمن استفهاما توبيخيا للمشركين في اتهامهم لرسول الله بأنه يفتري الكذب على الله في ما يدعيه من الوحي، وهم الذين يعترفون له من قبل بالصدق والأمانة، واختيار صيغة المضارع في: (اَمْ يَقُولُونَ): للدلالة على الاستمرار في ذلك الاتهام، ثم فرّع الله على ذلك قوله: (فَإِنْ يَّشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ): جيء بالمفرّع في صيغة الشرط وجوابه، والختم على الشيء منع وصول شيء إليه، ومنع خروج أي شيء منه، وبما أن القلب هو جهاز الإدراك والتفكير فالختم عليه هو سلب تلك القدرة على ذلك، وبالتالي يتعطل اللسان أن يقول شيئا، أي إن الله تعالى يغار على انتهاك حرمة رسالته، فهو قادر على أن لا يذع أحدا يفتري عليه شيئا، فكيف تتهمون محمدا بذلك، وهذه الآية في معنى قوله تعالى: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الاَقَاوِيلِ* لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ* ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ* فَمَا مِنكُم مِّنَ اَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ) (الحاقة:44 - 47).
فعدم الختم على قلبه وعدم قطع وتينه دليل على أنه صادق في ما بلّغه عن الله ثم قال تعالى في كلام مستأنف: (وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ): فالفعل: (يَمْحُ): مرفوع حذفت واوه عند أغلب المحقيقن، وفي الجملة وعد من الله لإظهار دينه الإسلام ويمحو كل آثار للشرط ويحق الحق بكلماته.
والإتيان بصيغ المضارع مع إظهار لفظ الجلالة في قوله: (وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ): هو لإظهار العناية الربانية بذلك ولإفادة التجدد والإستمرار لأن ذلك شأن الله الأزلّي، وكلماته هي القرآن والوحي بصفة عامة، والياء للسببيته، وفي معنى: "الكلمات" الأمر التكويني للإيجاد.