نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 12
الجزء ١٦ · صفحة ٣٣١هـ) - (وَالذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ): أي إذا أصابهم الظلم والعدوان من أي كان فردا كان أو جماعة، انتصروا لأنفسهم، أو دافعوا ذلك البغي عنها عزّا ونخوة، لأن ذلك محمدة تقتضيه غرة المؤمن لردع الباغين الطغاة، وينبغي أن يكون ذلك الإنتصار لأنفسهم في حدود ما أذن الله به لا أكثر، ولذلك أعقب هذه الصفة بقوله:
(وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ): وتحديد السّيئة بمثلها لأن ذلك هو الإنصاف والعدل، وهو الوسيلة الرادعة لدفع البغي والعدوان، واعتبار الردّ بالمثل سّيئة هو من باب المشاكلة اللفظية أو هو على اعتبار من تنزل به العقوبة لأنها تسوءه. والدفع بالأقل يؤدي إلى إغراء العدوّ لإعادة الظلم كما أن الدفع بأزيد ظلم واعتداء، ويرغب الله في كل حالة الجماعة المؤمنة بالعفو والصفح عند المقدرة ويحذر من الظلم وتجاوز الحدّ. ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة النحل: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ) (126). وإنما يكون الصبر والعفو إذا روعيت في ذلك قضية الإصلاح لنفوس أولئك الجامحين عن الحق استمالة لهم وتجسيد الخلق الإسلام الرفيع ولذلك جاء التعبير: "بعفا وأصلح" وأما إذا كان العفو يجرئ الظالم فيتمادى في بغيه فإن الحزم والانتصار أولى ولتأكيد هذا الحق جاء قوله تعالى: