نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01
الجزء ١ · صفحة ٥٢(وَإِذَا لَقُواْ الذِينَ ءَامَنُواْ قَالُواْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوِاْ اِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمُ، إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ)، والمقصود بالذين آمنوا هو حضورهم بمجلس رسول الله وصحابته فيعلنون إيمانهم السطحي بألسنتهم لا بقلوبهم، وهم بذلك يتستّرون لاتّقاء الأذى عن أنفسهم من طرف المؤمنين، وللتآمر على أذى المؤمنين من جهة أخرى، قال تعالى في هذا المعنى بسورة المنافقين: (اتَّخَذُواْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللهِ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) (المنافقون:02). وما أبلغ التعبير بـ (شَيَاطِينِهِم) في مقابلة المؤمنين لما في ذلك من تشخيص الخبث والدناءة، وكذا التعبير بالخلوة إليهم لاحترازهم من الافتضاح، لأنَّ الخبثاء والمجرمين يتوخون ضروب الحيل، ويلتجئون إلى الأوكار المخبوءة لحبك مؤامراتهم ثم إنهم يأتمرون بأوامر رؤسائهم ويلتزمون بمخططهم للجريمة، وهو ما يدلّ عليه قولهم: (إِنَّا مَعَكُم)، وإنّ لقاءهم للمؤمنين إنَّما هو لمجرَّد الاستهزاء والاستخفاف تضليلا وتستُّرا، ولعلَّ المتتبِّع لتصرُّفات هؤلاء الناس يظن البلاهة والغفلة في صف المؤمنين، وهم لا ينتقمون منهم، ولكن حكمة الله اقتضت أن يعاملهم المؤمنون على حسب ظواهرهم، ولا يعني ذلك أن الله تعالى غافل عمَّا يعمل الظالمون، ولذلك عقَّب ذلك الصنيع الشنيع منهم بما يشاكله من نقمة الله عليهم، وذلك بأن يمهلهم ويستدرجهم من حيث لا يعلمون فقال تعالى: (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ)، ويراد من استهزاء الله بهم هنا إطلاق لازم الاستهزاء وهو إمهالهم واستدراجهم ثم مجازاتهم بالعقاب المناسب للمستهزئ بهم.