نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 12
الجزء ١٦ · صفحة ٣٦٠بعد تسلية رسول الله ووعد الله له بالنصر على أعدائه، خاطب رسوله في معرض التعجيب من حال المكذبين به في أنه إذا سألهم عن خالق السماوات والأرض فإنهم يقرّون بالخالقية لله وحده، ولكن إذا دعاهم لعبادته وحده أعرضوا وتنكّروا، ثم ذكّرهم بنعم الله الكثيرة عليهم وخصّ بالذكر تسخير الأنعام والفلك للإنتقال عليها في أسفارهم ووجههم لأن يذكروا تلك النعمة ويحمدوا الله عليها، فقال جلّ من قائل:
(وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ):
الآية معطوفة على قوله: (وَكَمَ اَرْسَلْنَا مِن نَّبِيءٍ فِي الاَوَّلِينَ): للانتقال إلى محاجّة المشركين في ما هم عليه من الشرك وعبادة الأصنام، وقد صيغت الجملة بعدة مؤكدات لتبرير ذلك التعجيب من حالهم المتناقض، إذ يقرّون بالخالقية لله تعالى مما يقتضيهم أن يفردوه بالعبادة، ولكنهم يلتجؤون إلى الأصنام في شؤونهم الدنيوية، واختيار صفتي العزيز العليم، للذات العلية هو من كلام الله عنه المحققين من المفسّرين، وليس مما يتضمّن جوابهم عن السؤال المطروح، إذ كانوا يجيبون في الغالب بلفظ الجلالة "الله" كما تقدم في سورة لقمان: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) (25).
(وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) (الزخرف:87).
فذكر الصفتين: العزة والعلم، للذات العلية إنما هو للإيحاء والتضمين لصفات المعبود الحق، وللتعريض بألهتهم الباطلة بأنها على خلاف ذلك جاهلة ذليلة. ثم انتقل السياق إلى ذكر النعم التي تقوم عليها حياتهم.
(الذِي جَعَلَ لَكُمُ الاَرْضَ مِهَادًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ):