نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 12

الجزء ١٦ · صفحة ٣٨٧

الجملة معطوفة على قوله تعالى: (وَلَمَّا جَآءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ): والعشا في البصر هو النظر الكليل سيما إذا خيّمت الظلمة وهو تمثيل لحال الكفار المعرضين عن دعوة القرآن، إذ أن التدبّر وحسن التأمّل في آيات القرآن يذكّر بعظمة الله ويدعو لخشيته، وبما أن الكافر قد انطمست بصيرته وانسدّت منافذ الهداية عن قلبه فإنه يتولّد عن ذلك استمرارهم على الضلال فينفسح المجال لوسوسة الشياطين، إذ يهيّيء الله لكل معرض عن ذكر الله شيطانا يلازمه بوسوسة حتى يتمكن من نفسه فتنغلق دونه أبواب الهداية، لأن المعاصي يتولّد بعضها عن بعض إذا لم تجد من يحدّ من طغيانها وقوله: (نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا): للدلالة أن لكل واحد ممن تحقق فيه الشرط: (شَيْطَانًا): وهو من الله جزاء وفاقا لكسبه واختياره، وبما أن: (مَنْ): في سياق الشرط من صيغ العموم فإن كلمة: (شَيْطَانًا): اكتسبت العموم تبعا له فجاء قوله تعالى: (وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ): جاء بصيغة العموم ليشمل كل المعرضين عن ذكر الله بأن الشياطين يصدونهم عن سبيل الله القويم، ويعتقدون أنهم مهتدون إلى الحق والصواب، وتلك هي غاية الغباوة والضلالة، ونظير هذا المعنى قوله تعالى:

أ) - (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالاَخْسَرِينَ أَعْمَالاً* الذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) (الكهف: 103 - 104).

ب) - (أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَءَاهُ حَسَنًا) (سبأ:8).

وإذا قدّر الله لعبد دوام ذلك الصدّ عن ذكر الله، واستمرار الغفلة والإعراض حتى داهمت القرينان مصيبة الموت ورجعا إلى الله ليوم الحساب فكيف يكون موقف أحدهما من الآخر، يقول تعالى:

٥٬٢٤٤ / ٦٬٢٠١