نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 12
الجزء ١٦ · صفحة ٣٨٨(حَتَّى إِذَا جَآءَانَا قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِيسَ الْقَرِينُ): حتى ابتدائية تفيد الغاية، وضمير التنبيه في: (جَآءَانَا): راجع إلى الشيطان مع قربنه الكافر. (قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ): عاد الضمير إلى المفرد - أي قال أحد القرينين: وهو يتمنى بعد المسافة بينه وبين قرينه كتباعد المشرق والمغرب ويقال: المشرقان على قاعدة التغليب والإيجاز، ثم فرّع على تلك الأمنية الذمّ لقرين السوء: (فَبِيسَ الْقَرِينُ): هو من كلام الكلام الكافر المتندّم وليس من كلام الله كما ذهب إلى ذلك بعض المفسّرين، وإذ كان الظالمون يتحاجّون ويتخاصمون في موقف الحساب، وأن المصيبة إذا عمّت هانت، كما يقول المثل: فإنه تعالى يوبخهم بعد أن أيأسهم من إلقاء التبعة على بعضهم بعض بأن اشتراكهم في العذاب يوم القيامة لا يجديهم نفعا، لأن أحوال الآخرة ليست كأحوال الدنيا في تخفيف المعاناة بين الناس بمشاركة بعضهم لبعض لأن لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه، والإخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدّوّ، وفي معنى المؤاساة الدنيوية تقول الخنساء في رثاء أخيها صخر:
ولولا كثرة الباكين حولي … على إخوانهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن … أعزّى النفس عنه بالتأسي.
ثم يعود الخطاب إلى رسول الله للتثبيث والتسلية ولبيان مزود وظيفته، فقال تعالى:
(أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ):