نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 12
الجزء ١٦ · صفحة ٤٢٧تشبه هذه الإفتتاحية ما افتتحت به سورة الزخرف من قسم الله بكتابه المبين الذي هو القرآن الذي جعله تبيانا لكل شيء ووضّح فيه من الأحكام والإرشادات ما يحتاج إليه الخلق من أمور دينهم ودنياهم والمقسم عليه هو قوله تعالى: (إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ): هكذا بتنكير لفظ: (لَيْلَةٍ): لتعظيم شأنها ثم وصفها بالبركة –أي أنها كثيرة الخير والنفع للخلائق كلها تنويها بعظم شأنها، وأغلب المفسّرين على أنها ليلة القدر التي خصّص الله لها في كتابه سورة بأكملها إذ قال تعالى: (إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) (القدر:1). على أنها ليلة من ليالي شهر رمضان المعظم لقوله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) (البقرة:185).
وقد ثبت من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، ومعنى إنزاله في هذه الليلة، هو أن القرآن ابتدئ إنزاله فيها ثم استمرّ نزوله مقسّطا لمدة ثلاث وعشرين سنه في حياة رسول الله، أي بعد بعثته ما بين مكة والمدينة، ولا يستقيم مع هذه النصوص القطعية ما ذهب إليه البعض من أنها ليلة النصف من شعبان وأغرقوا في بيان فضلها استنادا إلى أحاديث ضعيفة.
وقوله تعالى: (اِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ): أي إن من شأننا أن نقيم الحجة على الناس فنرشدهم إلى ما يصلح بهم في شؤون معاشهم ومعادهم، والإكتفاء بالإنذار من عذاب يوم القيامة مع أن القرآن يبشر وينذر لأن أحوال الناس يومئذ هي إنكار البعث لليوم الآخر.