نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 12
الجزء ١٦ · صفحة ٤٢٨(فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ): جملة مستأنفة لبيان عظم شأن هذه الليلة، وأنه تعالى يفصّل ويقضي فيها كل أمر حكيم مما يتصل بشؤون خلقه في السنة كلها من الآجال والأرزاق والخير والشر وما إلى ذلك. أو يكون التفريق بمعنى التفصيل لآيات القرآن بما يشرعه الله لخلقه من أحكام وأصول التشريع تتبيّن حقوقهم نحو خالقهم ونحو أنفسهم وأهليهم وتحدّد ما عليهم من واجبات نحو بعضهم بعض، وما ورد في سورة القدر، يوضّح ذلك الجانب الغيبيّ من قضاء أمر الله في هذه الليلة، ويبين أن بعض ذلك الأمر ينفذ به إلى الملائكة الموكلين بأمر الله بتنفيذها في أرجاء ملكوته: (تَنَزَّلُ الْمَلآَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ) (القدر:4). وهو ما يتنزل على لسان الرسل لتبليغه إلى الناس، والله أعلم بكيفية ذلك، ولله في خلقه شؤون.
ثم قال تعالى: (اَمْرًا مِّنْ عِندِنَآ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ): رحمة من ربك إنه هو السميع العليم، أمرا من عندنا، إعادة لفظ: (اَمْرًا): هو لتعظيم شأنه بعد وصفه بالحكيم وزاده تشريفا كونه من عند الله، ثم إن التذييل بقوله: (إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ): بتعيّن أن يكون المقصود بذلك الأمر هو إنزال القرآن العظيم ثم بيّن أن إرسال الرسل إلى الخلق بأيات الله البيّنات هو رحمة بهم تقتضيها صفة الربوبية الرحيمة لبيان ما ينفعهم وما يضرهم، وما يأخذ بأيديهم إلى تحقيق السعادة في الدنيا والآخرة.
(إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ): تعليل لذلك الإنذار وذلك الإرسال لأنه تعالى أعلم بمن خلق فهو السميع لشكاواهم وآلامهم من متاعب الدنيا ومشاقها والعليم بأحوالهم وما يصلحها من الأنظمة والشرائع لإحقاق الحق وإقامة العدل.