نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 12
الجزء ١٦ · صفحة ٤٤١هذا الاستئناف جاء للعبرة مما آل إليه قوم فرعون من تركهم لتلك الخيرات الكثيرة من وسائل الرفاهية والترف بما أقاموه على ضفاف النيل من بساتين ومنازل أنيقة وقنوات للريّ، كانوا يتفيأون ظلالها مرحين رافلين في نعمها ملتزين فاكهين، وقوله: (كَذَالِكَ): اعتبر الكثير من المفسّرين أن (كَذَالِكَ): مستقلة عما قبلها، تأسيسا لا تأكيدا ومعناها: أمرنا كذلك في الانتقام من الظلمة الطغاة، وفي ذلك تحذير لطغاة قريش.
(وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا –اخَرِينَ* فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَآءُ وَالاَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ):
أي ذلك الملك العريض مما تركه فرعون وقومه في أرض مصر صار ميراثا لقوم آخرين، ولم يحدّد النصّ هنا نوعية القوم الوارثين لتلك الخيرات ونقرأ في آية الشعراء قوله تعالى: (فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ* وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ* كَذَالِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَآئِيلَ) (57 - 59). فهل نحمل المقيّد هناك على المجمل في آية "الدخان" ورواية التاريخ لبني إسرائيل تقول: إنهم لم يرجعوا إلى مصر بعد خروجهم منها، ولهذا أول المعنى بعض المفسّرين بأن قالوا: "أورثناها بني إسرائيل" بأنه لم يقصد أنواع تلك الأشياء في خصوص أرض فرعون بل رزق بنو إسرائيل مثلها في أرض فلسطين بعد أن دخلوها، والله أعلم بمراده.
والتعقيب بأنه ما بكت عليهم السماء والأرض، هو لتحقير شأن هؤلاء مهما عظم سلطانهم، فهم ليسوا بشيء عند الله يستحق الرثاء والحزن، إذ هم صفر في ما يستحق الخلود من الخصال الحميدة فعندنا حق عليهم العذاب بأمر الله ما كانت لهم مهلة من الوقت للتوبة والندم.
(وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَآءِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ* مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِّنَ الْمُسْرِفِينَ):