نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 12
الجزء ١٦ · صفحة ٤٥٤انتقل السياق من وصف عذاب الأثيم إلى بيان أنواع من نعيم الجنة للمتقين، وذلك على عادة القرآن في تعقيب الوعد أو العكس، وقد قابل الأثيم بالمتقين وهم الذين اتقوا الشرك والمعاصي فكان ذلك وقاية لهم من غضب الله وسخطه فهؤلاء جزاؤهم في ذلك الفزع الأكبر أنهم في مقام أمين، والمقام –بضم الميم- هو مكان الإقامة ووصفه "بالأمين" من الأمان وهو الوصف الأنسب لهول الموقف، فلا خوف عليهم من شيء ولا هم يخافون على شيء، فإذا توفّر الأمن واطمأنت النفوس فإن جمال المحيط يكتسب رونقه وبهاءه فهو جنات تجري من تحتها الأنهار لا نخشى عليها قحط ولا جفاف ولا ندرة في الخيرات والثمرات.
(أُكُلُهَا دَآئِمٌ وَظِلُّهَا) (الرعد:35). وهم يلبسون من الحلل الحريرية ما يناسب ذلك الترف والنعيم وقد تعددت أصناف الحرير ما بين ليّن رقيق وغليظ قويّ، ذلك في الجانب الماديّ الذي يصفه الله بما ألفناه من أسماء النعيم الدنيويّ، ولكن ما في الجنة هو أنفس من ذلك وأغلى كما يقول ابن عباس رضي الله عنهما ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء، وقوله تعالى: (مُّتَقَابِلِينَ): إشارة إلى المؤانسة والمحبة التي تكون بين أهل الجنة، إذ أن مجالس الأنس بين الأصدقاء من ألذّ متع الحياة فهم على عكس الكفار كما قال عنهم ربنا: (الاَخِلآَّءُ يَوْمَئِذِم بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ اِلاَّ الْمُتَّقِينَ) (الزخرف:67). على أن نعيم الجنة متفاوت إذ هو متفاضل على درجات بحسب التفاضل بين نزلائها، فالأمر في شأن هؤلاء كذلك المتقدم ذكره، ومع ذلك.
(وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ): والحور جمع: "حوراء" وهي البيضاء من النساء وعين جمع: "عيناء"، وهي ذات العين الواسعة، أي إن المتقين كما أنسوا بمجالسة الأصحاب فهم يأنسون بأزواج مطهّرة من الحور العين فتكتمل لهم بذلك المتعة الجسمية والمتعة النفسية، وقد قلت في شبابي في هذا المعني:
إن السعادة للمحبّ حبيبه … فإذا نأى فبصحبة الإخوان