نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 12
الجزء ١٦ · صفحة ٤٧٤كثيرا ما يأتي التنظير بين أحوال المشركين في وقت التنزيل أزاء الدعوة الإسلامية وبين أحوال بني إسرائيل ومواقفهم من رسلهم وأنبائهم، لما في ذلك من التسلية لرسول الله والاعتبار بأحوال الأمم السابقة، فجيء بخبر بني إسرائيل مؤكّدا بلام القسم و (قَدَ): المفيدة للتحقيق لبيان ما آتاهم الله من النعم الخاصة والميزات التي تؤهلهم يومئذ لحمل رسالة الله إلى الناس، ولكنهم اختلفوا فحرّفوا وبدّلوا وفق أهوائهم وبدافع الظلك والحسد بينهم.
وقد فضل الله تلك النعم الخاصّة، وهي تتمثل في نعم دينية ونعم دنيوية فبدأ بالأولى –أي الدينية لأنها هي أساس الصلاح والعمران فقال:
(وَلَقَدَ -اتَيْنَا بَنِي إِسْرَآءِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوءَةَ):
أ) - (الْكِتَابَ): وهو التوراة المنزلة على موسى فيها هدى ونور كما وصفها الله تعالى.
ب) - (وَالْحُكْمَ): إما من الحكمة وتعنى كمال العقل والرشد في فهم حقائق الأشياء، وإما بمعنى السيادة والقضاء للفصل في قضية الناس، لأن بعض رسلهم جمعوا بين الرسالة والملك كداود وسليمان قال تعالى في شأنهما: (وَكُلاًّ اتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا) (الأنبياء:79).
ج) - (وَالنُّبُوءَةَ): وهي الوحي المنزل من الله على رسلهم وأنبيائهم والمتمثل بالخصوص في التوراة والإنجيل، وقد قدر الله في تلك الحقبة من الزمان أن اختارهم لحمل رسالة التوحيد إلى الناس، فحباهم ببعض المنن تؤهلهم إلى ذلك فقال تعالى:
أ) - (وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ): وذلك ببسط نفوذهم على خيرات بلاد الشام في ما بين الفرات والنيل وهي أرض مباركة تفيض بالخيرات، ومن ذلك الأنعام عليهم بالمن والسلوى.