نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 12
الجزء ١٦ · صفحة ٤٧٦ما أروع التعبير: "بالجعل على الشريعة" فهو أدلّ على التمكين والاستعلاء والعطف: "بثم" للدلالة على التراخي الرتبي، حتى لكأنه تعالى قد طوى صفحة بني إسرائيل من دور القيادة البشرية بعد بغيهم واختلافهم، فعوضهم بمن هم أصلح لتلك القيادة على منهاج الحق والهدى المنزل من ربّ العالمين، والتعبير "بالشريعة" بصيغة التنكير ينمّ عن التعظيم وشبهت بالطريق الموصلة إلى الماء، لما فيها من حياة النفوس وتطهيرها، فرّع الله عليها أمره لرسوله بقوله: (فَاتَّبِعْهَا): أي ألزّم السير عليها على الدوام بتنفيذ أحكامها كما أمرك الله.
(وَلاَ تَتَّبِعَ اَهْوَآءَ الذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ): التأكيد بالأمر والنهي، و (الذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ): هم كل المشركين، إذ يحكمّوم أهواءهم في ما يعبدون من دون الله، مما يدلّ على أن كل أتباع لغير ما أنزل الله فهو خارج عن شريعة الله وصراطه المستقيم، إذ لا يعني إرشاد الله للمؤمنين بالصفح للذين لا يرجون أيام الله –كما تقدم- لا يعني ذلك مداهنتهم أو مصاحبتهم في أمور الدين، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟؟ …
فالجهل بأحكام الشريعة وأمور الدين لا يتولّد عنه إلا إتباع الهوى، فليس تمت إلا أمران:
أ) - إلتزام بشريعة الله إعتقادا وعملا وسلوكا كما شرعه الله، وهو أعلك بما يصلح لعباده، وفي ذلك ضمان معيّة الله ونصره، وتحقيق السعادة في الدنيا والآخرة.
ب) - جهل بأحكام الدين أو غرور ببعض المكتسبات العلمية المادية تفتن صاحبها فيسخر بكل ما يتعلق بالوحي والنبوءة، كما قال تعالى: (فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ) (غافر:83).