نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 12
الجزء ١٦ · صفحة ٤٨٠بعد تهديد الله للمشركين على استهزائهم بآيات الله، وأمره للمؤمنين بالتلطف في معاملتهم، وتثبيته لرسول الله على ملازمة الشريعة الإسلامية انتقل النص إلى وصف نوع آخر من ضلال المشركين في تسويتهم بينهم وبين المؤمنين الصادقين بأن يكون عظيمهم في الدنيا عظيمهم في الآخرة، وإحالتهم الحياة بعد الموت والجزاء على الأعمال، ثم الردّ على شبهاتهم بالتعجيب من حالهم كيف اتخذوا آلهتهم أهواءهم، وجعل الجزاء منوطا بالكسب والعمل، وأنه تعالى تامّ القدرة على الإحياء والإماتة وجمع الناس ليوم الفصل.
(أَمْ حَسِبَ الذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَآءٌ مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ* وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسِم بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ): يعقب الله على ما تقدم من بيان ولاية الظالمين لبعضهم بعض، وأن الله وليّ المتقين، وكيف يكون القرآن هدى ورحمة يرفعهم إلى درجة اليقين، وقد كان فريق من المشركين، كما تذكره روايات أسباب النزول، أنهم كانوا يقولون لبعض المؤمنين، والله ما أنتم على شيء، ولو كان ما تقولون حقا لكان حالنا أفضل من حالكم في الآخرة، كما أنا أفضل حالا منكم في الدنيا، فأنكر الله عليهم ذلك إذ نزلت هذه الآية بصيغة الإضراب الانتقالي المتضمن للاستفهام الإنكاريّ، ينكر الله به أن يسوّي في المنزلة والقدر بين أولئك الذين اقترفوا الآثام والمعاصي في الدنيا، وبين الذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا الصالحات بامتثال الأوامر واجتناب النواهي. فليس ذلك من العدل والقسط الذي قامت عليه السماوات والأرض، بل قام عليه كل ما في الكون، وهو ما تقوم عليه قيم العباد في ميزان الله سواء في الحياة أو في الممات، وذلك أنه تعالى أناط الجزاء بالكسب والعمل، فلا تظلم نفس شيئا.