نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 12
الجزء ١٧ · صفحة ٩(وَقَالَ الذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ ءَامَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ):
وهذه شبهة أخرى مما كان المشركون أو اليهود يردّده في إنكار رسالة رسول الله، وذلك على الاختلاف المرويّ في أسباب النزول.
فبعد أن برزت الجماعة المسلمة وتميّزت بتوجهاتها وسلوكاتها، وكان أغلب عناصرها في أول الأمر من المستضعفين الفقراء والموالي، وفي جانب المشركين المال والجاه والهيمنة الاجتماعية على كثير من أولئك الأتباع المستضعفين، فوجد هؤلاء السادة الكبراء في نوعية أتباع رسول الله مغمزا للطعن والإحتقار، بدافع الأعجاب والغرور بأنفسهم وبما هم عليه من الزيغ والضلال فراحوا يقولون: لو كان هذا الدين الذي يدعوا إليه محمد خيرا ما سبقنا إلى أتباعه مثل هؤلاء الضعفاء المنحطين في نظرهم، ظنا من هؤلاء المغرورين بحظوظهم أنهم هم الساقون إلى المكارم وأنهم أوسع إدراك للأمور وأحسن تقدير لها، ولكنهم مخطئون في معرفة حقيقة أنفسهم، إذ أنهم ما كانوا يشكون في صدق دعوة رسول الله، ولكنهم التعاظم والكبر والحسد، والحفاظ على مراكزهم الاجتماعية ومنافعهم الاقتصادية، وأشنع من ذلك هو اختلافهم للمعاذير لتبرير موقفهم كما قال تعالى: (وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ):
لقد كشف الله عن خيبة نفوسهم باختلاق ذلك الغيب فقالوا عن القرآن: (هَذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ): وهذا كقولهم: (أَسَاطِيرُ الاَوَّلِينَ) (17). فقد دابوا على ضلالهم وإعراضهم عن هدي القرآن في الماضي، فأخبر الله بأنهم سيشمرون على ذلك في المستقبل، ويبرّرون كفرهم بما يختلفونه من عيوب، وذلك من أخبث الطبائع عند المنحرفين الضالين.
ولإبطال هذه المزاعم والخبيثة ذكر الله تعالى ما يؤيّد به حقية القرىن وصدق رسول الله فقال: