نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13

الجزء ١٨ · صفحة ١٢

(وَالذِينَ قَاتَلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُّضِلَّ أَعْمَالَهُمْ* سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ* وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ): التفات من الخطاب إلى الغيبة ليظهر مكان الإضمار وللإتيان بالموصول ولتكون صلته: (قَاتَلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ): علة لما ورد بعدها من الأخبار المنوهّة بشأنهم.

أ) - (فَلَنْ يُّضِلَّ أَعْمَالَهُمْ): فعلى قراءة: (قَاتَلُوا): في سبيل الله في ماض حياتهم فإن الله لا يحرمهم أجرهم في المستقبل فلا تضيع جهودهم سدى. إذ يكون له أجر المجاهدين يجازيهم الله بالعزة والتمكين في الدنيا وبالجنة في الأخرى، وأما على قراءة المبني للمجهول: (قَاتَلُوا): فإن أجر الشهداء معلوم المنزلة عند الله والشرف عند الناس.

ب) - (سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ): بأن يوفقهم إلى طريق الخير ويثبتهم على النهج القويم كما يغمرهم بالرضى والطمأنينة بحياة قلوبهم وسعادة نفوسهم.

ج) - (وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ): والتعريف بالشيء هو تجلية أوصافه وبيان حقيقته، وقد تفنن القرآن الكريم في وصف نعيم الجنة للمتقين فهم يتمنون دخولها ملتزمين بكل ما يوصلهم إليها بطاعة الله ورسوله، فهم أهدى إليها في الآخرة من منازلهم في الدنيا كما حدّث بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلمعندما ذكرت الجنة فقال: «والذي نفس محمد بيده لأحدكم أهدى ببيته ويداره في الجنة منه بداره في الدنيا»(1). ومن المفسّرين من فسّر: (عَرَّفَهَا): بمعنى طيّب رائحتها من قولهم: "عرف العود" -أي عود البخور- كقول الشاعر أبو تمام في حكمته:

وإذا أراد الله نشر فضيلة … طويت أتاح لها لسان حسود

لولا اشتعال النار في ما جاورت … ما كان يعرف طيّب عرف العود

وقال شاعر الثورة -مفدي زكرياء- في وصف قسنطينة:

فكم تحرّق عود في مقاصرها … وكم تحرّك في أفيائها العود

(1) 1 - الحديث: رواه البخاري.

٥٬٤١٦ / ٦٬٢٠١