نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13
الجزء ١٨ · صفحة ٣٤لقد كان المجتمع المسلم في مدينة الرسول موصول الأسباب بالسماء والرسول عليه السلام هو المحطة الشريفة لاستقبال الأنوار الربانية المتمثلة في هدي القرآن الكريم، وإذ كان التجاوب على أتمّه بين قلوب المؤمنين وآيات القرآن المنزلة، إذ أخذت توجيهاتها وإرشاداتها تتبلور في تكييف الواقع المعيش، فإن المؤمنين كانوا يترقبون في شغف نزول آيات القرآن علّها تحمل جديدا في مجال الإصلاح والتغيير ويتمنون أن لا يطول انتظارهم لذلك، وإذ كان المسلمون لم يشفوا غيظهم من ظلم أعدائهم وبغيهم عليهم، فإنهم بدافع غيرتهم وحماسهم لنصرة دينهم كانوا يستشرفون إلى تلك الآيات التي تأمرهم بجهاد أعدائهم في بيان واضح وهي تفصّل أحكام القتال بما لا لبس فيه كما ورد في هذه السورة الكريمة، تلك هي الحالة النفسية للمؤمنين وذلك هو موقفهم أزاء أوامر الله وأحكامه في القتال، وأما الذين في قلوبهم مرض من الزياد والنفاق فهم على النقيض من ذلك تردّدا وروغانا وإذلالا أمام رسول الله وأصحابه وقد وصفهم الله بما لا مزيد عليه من حالة الخوف والإضطراب فتشبههم في نظراتهم المفزوعة بالذي يغشى عليه من الموت، وذلك بشخوص أبصارهم في شخص الرسول وهو يتلو عليهم آيات القتال حيرة واضطرابا ونظير هذا التشبيه قوله تعالى في سورة الأحزاب: (اَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَآءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ) (19).
قوله تعالى: (فَأَوْلَى لَهُمْ): هو في المعنى على الإحتمالين المذكورين في التحقيق اللغويّ:
أ) - إما بمعنى التهديد على أن أولى مشتق من الويل فهو بمعنى الدعاء بالهلاك فيكون الوقف عنده.