نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13
الجزء ١٨ · صفحة ٤٢فهؤلاء المنافقون هم ممن زيّن له سوء عمله وإتبعوا أهواءهم، فقد استدرجهم الشيطان إلى الضلال فسوّل لهم أن يداهنوا أهل الكفر من مشركي مكة أو اليهود ممن كرهوا ما أنزل الله على رسوله من الحق، وكان الفريقان يتألبان على الإسلام ويتآمران عليه بالمكر والكيد، فرأى المنافقون أن يكون لهم يدمعهم بموافقتهم في بعض الأمر، كعدم الخروج إلى القتال وخالقه بعض ما يأمر به الرسول استبقاء للخيط الواهي الذي يجمعهم به في تظاهرهم بالإسلام، وكان المسلمون لا يعرفون المنافقين بأشخاصهم وأسمائهم، فاعتقد هؤلاء المنافقون سفاهة بأن هذه الوسيلة تجعلهم في مأمن من كشف أسرارهم ولكنه تعالى يعلم أسرارهم، وقد بيّن الله الأمر الذي يطيعون فيه أهل الكفر، فقال في سورة الحشر: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الذِينَ كَفَرُوا مِنَ اَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنُ اخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فِيكُمُ أَحَدًا اَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) (11). ثم فرّع الله على ما تقدم بيان مما سيلحقهم من العذاب والهوان عند الموت فقال:
(فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلآَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ): الاستفهام للاستفظاع والتعجيب، والتقدير: كيف يكون حالهم إذا جاءتهم ملائكة العذاب لإنتزاع أرواحهم، وهم في الفزع يتعذبون ويهانون بضرب وجوههم وأدبارهم، تلك الحالة التي يخشونها إذا خرجوا للقتال، فيهربون منها ويتخلفون، وهاهم يلاقونها على يد جند الله من ملائكة العذاب في ميتة فظيعة تظهر ملامحها على كل ميت ساء مصيره -والعياذ بالله- وما ينتظرهم من عذاب البرزخ هو أنكى من ذلك إلى يوم يبعثون ونظير هذه الآية قوله تعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الذِينَ كَفَرُوا الْمَلآَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ) (الأنفال:50).