نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13
الجزء ١٨ · صفحة ٨٠(قُلْ فَمَنْ يَّمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا اِنَ اَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا اَوَ اَرَادَ بِكُمْ نَفْعاَم بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا):
فالجواب الإلاهيّ جاء عامّا ليشمل كل الخلائق بأن يرّدوا الأمر إلى الله وحده، فلا يمنع أحدا من الله إن أراد به ضرّا أو نفعا وفق ما سبق في علمه، فاستغفار الرسول لهم لا يغيّر من إرادة الله شيئا، وفي ذلك تخويف لهم من نزول العقاب عليهم إن تخلفوا عن رسول الله، ثم أكد الله إبطال عذرهم بقبوله: (بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا): (بَلْ): للإضراب الإبطالي لذلك الإدّعاء، إذ كانوا يقولون عن رسول الله وأصحابه لما خرجوا إلى مكة: "إن هم إلا آكلة رأس" وهو مثال لقلة عددهم، فهم معرورون لا يستطيعون مواجهة قريش وأحلافها، وقد كشف الله خبيئته نفوسهم فقال:
(بَلْ ظَنَنتُمُ أَن لَّنْ يَّنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُومِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمُ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَالِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْماَم بُورًا):
لقد تغلّب عليهم الظن السّيئ ووجد من نفوسهم قبولا ورضى بأن الرسول وأصحابه هالكون لا محالة في مواجهة قريش، وفي ذلك سوء ظن بوعد الله، مما يتنافى مع صدق الإيمان بقدرة الله ووعده الحق، وقوله: (وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ): أي إن ذلك هو الغالب على أحوالهم كلها لا بخصوص عدم رجوع رسول الله وأصحابه، وقوله تعالى: (وَزُيِّنَ ذَالِكَ فِي قُلُوبِكُمْ): لإفادة تمكّن ذلك المرض من نفوسهم، بحيث يودّون تحقق ما ظنوه في الواقع بما يرديهم في حماة النفاق، ولذلك حكم الله عليهم بالهلاك بقوله: (وَكُنتُمْ قَوْماَم بُورًا): أي هلكى وزادهم تحذيرا من ذلك المصير بهذا الحكم العامّ لمصير الكفار فقال: