نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13
الجزء ١٨ · صفحة ١٠٣(وَالذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ): تعتبر هذه الجملة مستقلة عن سابقتها، وهي تتألف من مبتدأ وخبر، وهي تنويه بشأن أصحاب رسول الله، واختيار صفة المعية لهم دون وصف آخر يفيد كمال حجتهم له بالطاعة والتأييد وبالملازمة والوفاء، وصفهم الله بأوصاف عجيبة هم أحق بها وأهلها كما قال عنهم: (أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ): فما أروع المقابلة بين الشدة والرحمة، فشدّتهم على الكفار نابعة من غيرتهم على دينهم، ومن قوة إيمانهم وحبّهم لله ورسوله، وهم في ذلك مهتدون برسول الله في غلظته على الكفار والمنافقين بمقتضى توجيه الله له بقوله: (يَآ أَيُّهَا النَّبِيءُ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) (التّوبة:73). ومن قوله في الإرشاد العام للمؤمنين. (قَاتِلُوا الذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً) (التوبة:123). وفي معاملة الكفار تختلف الأحكام الفقهية وفق ما تقتضيه المصلحة العامة للمسلمين، وفي إبرام صلح الحديبية أفضل مثال على ذلك، بينما يتعامل المؤمنون بينهم بالموّدة والرحمة، وأسوتهم في ذلك -أيضا- رسول الله صلى الله عليه وسلمكما وصفه الله: (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُومِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) (التوبة:128).
وليست الشدة التي وصف بها المؤمنون شدة طبع وقساوة مزاج، بل هي شدة يتكيفون معها وفق ما تقتضيه مصلحة الأمة ولا تند بهم تلك الشدة إلى التعسف والظلم حتى مع أعدائهم وهم في ذلك ملتزمون بحدود الله في العدل والإحسان، وكذلك صفة الرحمة باعثها الحبّ في الله ولا شيء وراء ذلك من نخوة الدم والقرابة أو منفعة عاجلة وفي معنى هذه الآية قوله تعالى: (فَسَوْفَ يَاتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُومِنينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) (المائدة:54).