نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13
الجزء ١٨ · صفحة ١٢٠يقول الإمام الرازي في اختلاف صفة المؤمنين المخاطبين في هذه الآية: "ثم قال تعالى: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الاِيمَانَ): خطابا مع بعض المؤمنين غير المخاطبين بقوله: (لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الاَمْرِ لَعَنِتُّمْ): قال الزمخشري: اكتفى بال ..... في الصفة واختصر ولم يقل: "حبّب إلى بعضكم الإيمان" وقال أيضا: (لَوْ يُطِيعُكُمْ): دون "أطاعكم" يدل على أنهم كانوا يريدون استمرار تلك الحالة ودوام النبي صلى الله عليه وسلمعلى العمل باستصوابهم.
(وَلَكِنَّ): يكون ما بعدها على خلاف ما قبلها، وهاهنا كذلك، وإن لم تحصل المخالفة بتصريح اللفظ، لأن اختلاف المخاطبين في الوصف يدلنا على ذلك، لأن المخاطبين أوّلا بقوله: (لَوْ يُطِيعُكُمْ): هم الذين أرادوا أن يكون النبي يعمل بمرادهم، والمخاطبين بقوله: (حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الاِيمَانَ): هم الذين أرادوا عملهم بمراد النبي صلى الله عليه وسلمهذا ما قاله الزمخشري واختاره وهو حسن"(1)
قلت: إن الله تعالى -وهو خالق هذا الإنسان- قد كشف في وحيه الكريم عن كثير من الصفات النفسية للإنسان فقال عنه: "إنه ظلوم جهول، جحود كنود، هلوع جزوع، منوع" وقال عنه في سورة الإسراء: (وَيَدْعُ الاِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَآءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الاِنسَانُ عَجُولاً) (11). وقال في سورة الأنبياء: (خُلِقَ الاِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمُ ءَايَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ) (37). غير أن المؤمن القويّ في إيمانه يكون متوازنا في تصرفاته فلا تندّ به الطبيعة البشرية إلى الغلوّ والشطط، بل هو كما قال عنه رسول الله: «المؤمن بخير على كل حال»(2).
ومن ثمّ كان من طبيعة الأشياء في إتباع دعوة مّا أو مستشار زعيم مّا أن تختلف رغباتهم ومشاربهم بين رزانة واعتدال أو طفرة واستعجال.