نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13
الجزء ١٨ · صفحة ١١٩عطف الله جملة: (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ): على التشريع السابق في وجوب التثبت والتحرّي في الأخبار. وفعل: "علم" يفيد اليقين، وهذا العطف يدلّ على الإهتمام بما يتضمنه التركيب النهي تعدّى إليه الفعل من أن واسمها وخبرها المقدم.
فالإخبار بشيء معلوم لديهم بالمعايشة والواقع إنما المقصود منه هو تحفيزهم وتحسيسهم بما قد يغفلون عنه، فلا يولونه من الاهتمام والتقرير ما يلزم، فالذين عايشوا تلك الفترة الوضيئة بأنوار النبوءة، وعاينوا شخص الرسول الكريم وهو بين ظهرانيهم نور وهدى يمشي على رجلين ربما يغفلون -أحيانا- عن هذه الحقيقة سيما عندما تندّ رغباتهم وهم يريدون أمرا فلا يقدرون عاقبته، ومن ثم جاء هذا التنبيه للمؤمنين بذلك الأسلوب المؤكّد ليستصحبوا في أنفسهم تصوّر هذه الحقيقة لأن المعاشرة حجاب، كما يقول الحكماء. ويستروح من تركيب النصّ أن من المؤمنين من تعجّل في الحكم ورغب من الرسول أن يتخذ موقفا من قوم بني المصطلق بمجرّد سماع الخبر غيرة على الدين ولئن كان النداء لجميع المؤمنين في أول الآية فإن المخاطبين فيها يتوزعون على فريقين:
أ) - فريق يرغب في إطاعة الرسول لهم في بعض الأمور يحذرهم الله من العنت الذي يقعون فيه من جزاء ذلك. ويرشدهم إلى الإذعان لتدبير الرسول والرجوع إليه لأنه لا يتصرف إلا بوحي من الله. (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) (النور:232). والرسول في مثل تلك المواقف يعزّ عليه أن يتحمّل المسلمون العنت والمشقة كما قال تعالى في شأنه. (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُومِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) (التوبة: 128).
ب) - والفريق الثاني مذعن منقاد لأن الإيمان متغلغل في قلبه وهم المخاطبون بقوله تعالى: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الاِيمَانَ).