نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13
الجزء ١٨ · صفحة ١٢٥وعندما يتعطل منطق العقل وتتأجج العواطف فإن الفتنة عمياء لا تبقي ولا تذر، وتفضي -أحيانا- إلى البغي والطغيان حين يصبح السلاح هو الحكم. وليس إلا الإيمان القويّ عاصما من الإنزلاقات الخطيرة، ومن مقتضاته التكافل بين المؤمنين.
والتقاتل بين المتخاصمين –وإن كان شديد الوطأة عليهم- فهو لا ينفي صفة الإيمان، والصلح خير وهو سيّد الأحكام، وظاهر النصّ أن محاولة الصلح بين الطائفتين تكون بعد التقاتل، وذلك على خلاف قاعدة: "الوقاية خير من العلاج" غير أن الإمام ابن عاشور حسم هذه الإشكالية بالتحليل اللّغويّ للعبارة. إذ قال: "والوجه أن يكون فعل: (اقْتَتَلُوا): مستعملا في إرادة الوقوع مثل: (يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمُ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمُ) (المائدة:6). ومثل: (وَالذِينَ يَظَّهَّرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا) (المجادلة:3). أي يريدون العود، لأن الأمر بالإصلاح بينهما واجب قبل الشروع في الاقتتال، وذلك عند ظهور بوادره، ثم قال: "وبذلك يظهر وجه تقريع قوله: (فَإِنم بَغَتِ اِحْدَاهُمَا عَلَى الاُخْرَى): على جملة: (اقْتَتَلُوا): أي فإن ابتدأت إحدى الطائفتين قتال الأخرى ولم تنصع إلى الإصلاح فقاتلوا الباغية"(1).
إن واجب الصلح منوط بالطائفة المؤمنة المحايدة، وهو منوط بالإمام عند قيام الدولة الإسلامية سيما إذا أفضى الأمر إلى قتال الفئة الباغية.
وإذا تعذر الصلح بين الطائفتين وأفضى التعنت إلى البغي من إحدى الطائفتين، وقد يكون من كليتها باعتبار جانب من جوانب شروط الصلح، فقد أمر الله المؤمنين بقتال الطائفة الباغية حتى تذعن إلى أمر الله ولكن ما هو ضابط البغي الذي بموجبه يقاتل المؤمنون إحدى الطائفتين؟؟ ....
وفي تحديد ذلك الضابط اختلف العلماء بين الإفراط والتفريط، وبين التيسير والتشديد.
(1) 1 - التحرير: مجلد 26 صفحة 239.