نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13
الجزء ١٨ · صفحة ١٣٠ونلاحظ تناسيا عجيبا بين هذه الإرشادات ووجوب إصلاح ذات البين بين المتخاصمين، والسعي إلى الصلح بين المتقاتلين، وذلك بالنهي في هذه الآية الكريمة وما يتلوها عن أسباب التوثر والخلاف، ودواعي التنابذ والكره.
والأخوة الإيمانية في المجتمع المسلم هي السياج الوافي وجهاز المناعة في جسم الأمّة، لأن للجاهلية رواسبها في مجال العلاقات الإجتماعية يجب القضاء عليها، ولذا جاءت تلك الإرشادات الربانية بأسلوب النهي الصارم مع التعليل الحكيم بعدم الإغترار بالمظاهر وسوء التقدير للمفاهيم.
(يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَّكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَى أَنْ يَّكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ):
واختيار كلمة: (قَومٌ): مع تنكيرها في مقام النهي عن السخرية هو لإعتبار ما كان شائعا عند الجاهليين من الملاحاة الجماعية بمثل هذه الأمور المنهي عنها، وهو يشمل النساء بطريق التغليب، وخصّصهن الله بالذكر في الآية لغلبة هذه الصفة عليهن أكثر، ولأن المرأة أكثر حبّا لذاتها حريصة على أن تكون أكثر فتنة من غيرها في أعين الرجال، فهي بذلك نصطاد المعايب لكل امرأة تعتقد أنها تنافسها في الجمال، والنساء أكثر شغفا بالقيل والقال، وجملة: (عَسَى أَنْ يَّكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ): تعليل للنهي يشمل عموم الأحوال للناس أفرادا كانوا أم جماعات.
ولما كان دافع السخرية عند الساخر هو الخطأ في تقدير قيمة نفسه، وقيمة غيره جاء التعليل لتصحيح ذلك الخطأ بأن لا يغتر الإنسان بالصور والأشكال، لأن الله تعالى لا ينظر إلى الصور والأعمال الظاهرية ولكن ينظر إلى ما في القلوب، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ربّ أشعت أغبر ذي طهرين تبنو عنه أعين الناس لو أقسم على الله لأبرّه»(1).
وكما قال الشاعر الحكيم:
(1) 1 - الحديث: رواه الحاكم.