نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13
الجزء ١٨ · صفحة ١٣٥وقوله تعالى: (إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ): يدلّ على أن بعض الظّن ليس فيه إثم، ولذا قال بعض العلماء: "إن الظن القبيح بمن ظاهره القبح، غير أن الرجل الصالح أو العالم التقي، بل كل من كانت له منزلة مرموقة بين الناس يجب على هؤلاء الاحتراز من التهمة والإبتعاد عن مواطن الشبهة، فإن غلطة الأمير بلقاء مشهورة". كما يقول المثل: وهذا رسول الله يعلمّ أمته كيف يجب أن تحترز من التهم فقد روت زوجته صفية بنت حيي، أن النبي كان معتكفا في المسجد فذهبت إليه وتحدثت معه، فلما أمست انصرفت فقام رسول الله يمشي معها، فمرّ بهما رجلان من الأنصار، فسلما وانصرفا فناداهما النبي وقال: إنها صفيّة بنت حيي، فقالا يا رسول الله، ما نظن بك إلا خيرا، فقال الرسول: «إن الشيطان يجري من بني آدم مجرى الدم في الجسد فخفت أن يقذف في قلبيكما»(1). فإذا قال الحكماء: "الزق يرشح بما فيه" فإن هذه القاعدة تنطبق على أكثر الناس في هذا الموضوع، لأنهم -غالبا- ما يقيسون غيرهم بما في بواطنهم إن خيرا أو شرّا، فخبيث الباطن لا تراه إلا سيّئ الظن بغيره، وهو إذ يمشى في الناس بقاذوراته يفاخر بها يسعى إلى تكثير رفاقه حتى تعمّ البلوى، يقول المتنبيّ:
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه … وصدّق ما يقاده من توهّم
وعادى محبّيه لقول عداته … وأصبح في ليل من الشك مظلم
فإذا كان الحذر مطلوبا من المسلم كما أمره الله فإن تغليب حسن الظن بالناس في الأوساط الموبوءة قد تسبّب للإنسان مشاكل كثيرة إذ يؤتى الحذر من مأمنه وفي الحديث: «احتجزوا من الناس بسوء الظن»(2).